المحاكم المغربية.. احترافية إدارية تصنعها هيئة كتابة الضبط رغم الإكراهات
بقلم د محمد أبرباش
رغم تعقيد المساطر وتعدد الاختصاصات وضغط الملفات، تقدم المحاكم المغربية تجربة إدارية جديرة بالتقدير، تقف وراءها هيئة كتابة الضبط باعتبارها فاعلاً أساسياً في ضمان السير المنتظم للمرفق القضائي وخدمة المتقاضين وتنزيل مشاريع تحديث الإدارة القضائية.
فبعيداً عن الأضواء، يضطلع أطر وموظفو كتابة الضبط بمهام دقيقة ومتنوعة، تشمل تدبير الملفات والإجراءات القضائية وضبط الآجال وتوثيق المساطر وتنفيذ الإجراءات المرتبطة بالأحكام والقرارات والتواصل مع المرتفقين، فضلاً عن تحمل أعباء التدبير الإداري اليومي للمحاكم.
وهي مسؤوليات تتطلب كفاءة قانونية وإدارية، ويقظة مهنية، وقدرة مستمرة على التكيف مع متطلبات العمل القضائي.
وتتجلى أهمية هذه الأدوار في كون كتابة الضبط تشكل حلقة أساسية بين القضاء والمتقاضين وباقي المتدخلين في منظومة العدالة، إذ لا يمكن تصور نجاعة قضائية حقيقية دون إدارة قضائية فعالة، ولا إدارة قضائية فعالة دون هيئة كتابة ضبط مؤهلة ومحفزة ومُنصفة.
واللافت أن هذه الهيئة تواصل أداء مهامها رغم إكراهات موضوعية، من بينها ضغط الملفات، والخصاص في الموارد البشرية ببعض المحاكم، فضلاً عن تأخر استكمال الهيكلة الإدارية وعدم وضوح توزيع بعض الاختصاصات وقيام رؤساء المصالح بعمل أربعة مسؤولين إداريين على الأقل في إدارات مغربية أخرى، وهي تحديات تجعل ما يتحقق من انتظام إداري ثمرة مجهود مهني يومي يستحق الاعتراف.
كما أن التحول الرقمي الذي تعرفه المحاكم، من خلال التطبيقات والأنظمة المعلوماتية التي توفرها وزارة العدل، لم يكن مجرد تحديث تقني، بل استند في جانب أساسي منه إلى انخراط موظفي كتابة الضبط في استعمال هذه الأدوات وتدبير الإجراءات عبرها، بما يعزز إمكانية تتبع الملفات والشفافية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتزداد أهمية هذه التجربة عند مقارنتها بما تعرفه بعض الإدارات العمومية من بيروقراطية وتداخل في الاختصاصات، وغموض في تحديد المسؤوليات، وضعف الالتزام بآجال معالجة الطلبات.
وهي مقارنة لا تروم التقليل من مجهودات العاملين بباقي المرافق العمومية، بقدر ما تبرز قيمة ثقافة الانضباط الإجرائي والمسؤولية المهنية التي يفرضها العمل داخل المحاكم.
غير أن الإنصاف الحقيقي لهيئة كتابة الضبط لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة بمجهوداتها، بل يقتضي الاعتراف بمكانتها المؤسساتية، وتثمين كفاءاتها، وتحسين ظروف عملها، واستكمال الهيكلة الإدارية للمحاكم، وتوضيح المسؤوليات، وتمكينها من الموارد البشرية والتقنية الضرورية للقيام بمهامها في أفضل الظروف.
إن كتابة الضبط ليست مجرد جهاز إداري مساعد، بل مكون مهني ومؤسساتي أساسي في منظومة العدالة، و محور هندسة الإجراءات، وشريك فعلي في تحقيق النجاعة القضائية وتكريس ثقة المواطن في المرفق القضائي.
ولعل أكبر إنصاف لنساء ورجال كتابة الضبط هو الانتقال من الاعتراف بمجهوداتهم إلى الاعتراف المؤسسي بأدوارهم و ذلك بفتح ورش تشريعي يعيد النظر جذريا في المهام و الاختصاصات على مستوى كل القوانين و على رأسها التنظيم القضائي و المسطرة المدنية و المسطرة الجنائية بمنهجية تشاركية تستحضر مصلحة المواطن و المرتفق و تضعها فوق كل اعتبار و الفرصة سانحة في ظل وزير العدل ذ عبد اللطيف وهبي الذي يمتلك الرؤية الكامل و الشجاعة السياسية و المهنية لإعادة فتح هذا الورش التشريعي ، لأن جودة العدالة لا تصنعها الأحكام وحدها، بل تصنعها أيضاً كفاءة الإدارة التي تواكبها وتضمن انتظام إجراءاتها.
فوراء كل مرفق قضائي منتظم، عمل يومي لنساء ورجال كتابة الضبط، يستحق أن يُرى ويُقدَّر ويُثمَّن.
د. محمد أبرباش
المحاكم المغربية.. احترافية إدارية تصنعها هيئة كتابة الضبط رغم الإكراهات

المقال السابق

أخبار

التعليقات