محمد عفري
في هذه الظرفية، وما بين الخطاب الملكي للتاسع من أبريل والخطاب الملكي للسابع عشر يونيو من 2011، كانت “جمعية قدماء نجوم الملاكمة المغربية” أصبحت أشهر من نار على علَم؛ فبصمت، بعد عامين من وجودها، على إثبات ذاتها إطارا رياضيا اجتماعيا ومدنيا شُجاعا في التعبير وفي التنديد ضد كل ما تراه خرقا من الجامعة الملكية المغربية للملاكمة في حق رياضة الفن النبيل، وفي حق ملاكمين ومدربين وحكام ومسيرين قدامى وممارسين، رأت فيهم مهضومي حقوق وضحايا تعسف إداري من رئيس الجامعة، بل ضحايا لشطط سلطته المستمدة من وظيفته السامية بالقصر الملكي.
ردّ الاعتبار لكل القدامى من أبناء الملاكمة مهضومي الحقوق، كانوا ملاكمين أو حكاما أو مسيرين أو مندوبي مقابلات أو ميقاتيين، أو غيرهم من القدامى، ومحاولة إخراجهم من الهشاشة، كما محاولة إدماجهم اجتماعيا وجمع شملهم في إطار رياضي مدني جمعوي موحد، يجعل كلمتهم مسموعة عند جامعة الملاكمة وغيرها من المؤسسات؛ كلها كانت إجمالي الغاية التي خرجت من أجلها “جمعية قدماء نجوم الملاكمة المغربية”، إلى الوجود.
ففي خضم التفاعل النوعي الذي خلّفته الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المناظرة الوطنية للرياضة المنعقدة في 2008، تفتّق وعيُ رجلين بطلين إلى خلق إطار رياضي لجمع شمل قدماء الملاكمين النجوم، وكل الذين أثّـثوا فضاء هذه اللعبة على مستوى التسيير والتحكيم وحتى التدريب.
حلم الرجلين كان صغيرا، ووفق روح الدستور والقوانين والمراسيم المنظمة للمجتمع المدني والرياضي، كانت الولادة، بالضبط في الحادي عشر من أبريل 2009 الموافق للسابع عشر جمادى الأولى 1430.
هكذا، حمل المولود اسمه المعروف في كل الأوساط الرياضية والإعلامية..
بطموحاتها الكبيرة، في ظرف وجيز، تحولت هذه الجمعية إلى عنوان يصدح به كل لسان وتصيخ له الآذان وتتوق إليه الأنظار في المحافل، وتعدى صيته أرض الوطن إلى الخارج، حيث أبناء الملاكمة المغربية يؤثثون بلدانا عديدة؛ من شرق الكرة الأرضية إلى غربها.
ترعرع المولود، وبين أياد آمنة ووفية، تربى، حسب ما يمليه الضمير وتتيحه الإمكانيات المادية الذاتية وتُسبغ عليه الموارد البشرية المتطوعة من الوقت والجهود والخدمة النبيلة لفائدة الفن النبيل..
نما المولود وصار له من العمر أعواما، وعلى أهدافه التي نشأ من أجلها، ظل وفيا.
الجانب الاجتماعي لقدماء أبناء الملاكمة، ظل ومازال ديدنُه الأول والأخير، والتآزر وقت النائبات والتضامن عند الشدائد والمساعدة حين الضائقات شُغله الشاغل.
الإصلاح الذي يريده هذا “الكائن”، ما استطاع، وما توفيقه فيه إلا بالله، له فيه أيضا قَطُّ ومبتغى، حسب ما تيسّر، ووفق ما هو مسموح، وعليه واصل الحياة..
فكرة التأسيس بخلاصة، كانت بسيطة بساطة غالبية أبناء الملاكمة وحسن نيتهم.
بمناسبة تظاهرة في الفن النبيل، كان تنظيمها من الجامعة الملكية المغربية للملاكمة وتأطيرها من عصبة الشاوية، تم “لقاء” البطلين السابقين؛ محمد المحجوبي وحسن جالني، أثمر ميلاد الجمعية.
كان هذا اللقاء فقط، من أجل بعث الروح في صداقة، امتدت أواصرها من حي درب غلف الذي جاور فيه هذان البطلان بعضهما في السكنى، إلى صداقة رياضة، أحبّاها معا وتدربا عليها معا، تحت سقف واحد، في قاعة واحدة، بدار الشباب درب غلف، تحت قيادة مدرب واحد، ومارساها في قاعات أخرى للتنافس، تطلعا فيها إلى امتشاق البطولات، جنبا إلى جنب، لم تفرقهما إلا الأوزان، قبل أن تفرق بينهما سبل الحياة.
بينما أتمّ البطل حسن جالني المسار في الاحتراف بفرنسا، وعبْر هذا الاحتراف، كان الاستقرار والعمل هناك؛ راح محمد المحجوبي إلى عالم الصناعة والاستثمار فيه، يكوّن نفسه ويثبتها ليكون نموذج البطل الناجح الصالح من صلاح أعماله، شأنه شأن أبطال آخرين..
قبل أكثر من عشرين سنة عن تاريخ هذا اللقاء، كان درب غلف “دربا” وحيا لجوار مثالي لهذين البطلين، كما كان “فريق إيديال للملاكمة” فضاء تقاسما فيه صبيب عرق الجبين وتجرُّعَا آلام اللكمات، وتنفّسا فيه هواء الرياضة بطموح التألق، وقدوتهم الحسنة، ليس إلا من سبقهم إلى ذات الفريق، “مارسيل سيردان”. ولمَ لا يكون التألق وهما يتدربان ويغْرفان من معارف الملاكمة على يديّ مدرب ذائع الصيت، هو السّي احمد اليازري، رحمة الله عليه، المعروف في أوساط الملاكمة المغربية بـ” بَّا رزقي”.
وهما “يتفرجان” من مدرجات مركب محمد الخامس على نزالات التظاهرة التي التقيا من أجلها، كانت خيبتهما كبيرة على مآل رياضة الملاكمة.
من بُرجهما العاجي الذي عاشاه مُترفَيْن، في فنهما النبيل، خجولين أطلاّ، ذلك اليوم، يتجاذبان أطراف الحديث ويتحسّران عن تدني المستوى. الحسرة كانت أشد عن غياب أبناء الملاكمة عن التسيير وعن تنظيم هذه التظاهرة بالذات. لا وجود إلا للغرباء عن الرياضة والمتطفلين عليها والانتهازيين، لولا أن رمقت عيناهما “طيفا” من أبناء هاته الرياضة؛ لم يكن إدراكُه عصيا عليهما؛ لأن، لا هيأته الجسدية النحيفة كانت غريبة عنهما، ولا حركاته كان مستحيل عليهما تَذكّـرها.
الطيف ذاك، كان هو البطل مبارك الزروكي الذي شرّف المغرب في العديد من المحافل ومثّله في الألعاب الأولمبية بموريال1976، هو ذاته بدمه ولحمه، يمسح الحلبة وينظفها، بينما كان يقف عليه بالأوامر، مثل جلاد مع سجينه، عدد من “المسيرين” ممن تطفلوا على الملاكمة، يريدون مسح هذا التاريخ من الوجود، أولئك الذين تحدثت عنهم، بالواضح، الرسالة الملكية الموجهة إلى المناظرة الوطنية للرياضة في ماي 2008.
ثارت ثائرة البطلين؛ محمد وحسن واستقصيا في الأمر. تأكدا من أن الزروكي البطل، تلك هي وضعيته التي وجد نفسه عليها؛ مدرب ينتج الأبطال في فريق “خشبة الحي المحمدي” وأسير ثمن زهيد جدا، يتقاضاه مقابل خدمات متدنية، يقوم بها في التظاهرات التي تنظمها الجامعة والعصبة ويؤديه له دُخلاء عرفوا من أين تؤكل أكتاف الملاكمة.
على نسمات جرعات شاي كانت عَلقما من التأسي والغيظ، خرج البطلان في الحين، بفكرة، فالتزما. إنها ضرورة إطار جمعوي قانوني يحفظ ما تبقى من ماء وجه الأبطال..
.. وإجراءات وتدابير تأسيس الجمعية على قدم وساق، زاد من خيبة محمد وحسن عبارة نطقها مسير بعصبة جهوية بعدما استنكرا لديه ما وقفا عليه بالعين المجردة في حق البطل مبارك الزروكي؛ قال لهما: “بعض الملاكمين، للأسف، مقابل خمسين درهم ، مستعدون لفعل أي شيء..لأنهم في حاجة ماسة جدا..”.







