لا خوف على بلادنا مادام فيها مؤسسات دستورية قادرة على فرملة اندفاعة بعض القوى التي تستغل المؤسسات نفسها بناء على أغلبية عددية تحولت إلى سيف فوق رقاب الفئات الاجتماعية، حيث يتم تمرير العديد من القوانين دون أن يتم إعمال المقاربة التشاركية، التي ينص عليها الدستور ويعتبرها القاعدة الأساسية في إنتاج القوانين.
من هذا المنطلق يعتبر قرار المحكمة الدستورية، برفضها لست مواد مثيرة للجدل من القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، قرارا مهما جدا، يعيد الأمور إلى نصابها، لكن ينبغي اعتباره فرصة للاعتراف بقدرتنا على إمكانية التشارك في إنجاز القوانين، وتأكيدا على أن الانفراد بصياغة القوانين مخالف لتوافقات المغاربة على النهج الديمقراطي الذي ارتضاه المغرب ويرعاه بقوة جلالة الملك محمد السادس.
وينبغي الإشارة أن قرار المحكمة الدستوري نعتبره إنصافا وليس انتصارا. نقدر أنه إنصاف من محاولة تفرد بصياغة القانون، وليس انتصارا، لأننا باعتبارنا صحفيين لا نعتبر نفسنا في حرب مع أحد ومع أية جهة، وليست الوزارة عدوا بل شريكا حقيقيا في تطوير القطاع، بل محور أساسي في هذا التطير وهذه النهضة.
من هذا المنطلق لا يمكن لأية جهة أن تعتبر نفسها فازت في معركة كسر عظام للطرف الآخر، بل ما وقع هو توظيف حقيقي للمؤسسات الدستورية في حماية الديمقراطية، بل يمكن اعتباره جزءا من التمارين الديمقراطية، التي هي بمثابة اختبارات ننجح فيها أو نفشل، ولا يخفى على أحد أن القرار يعتبر نجاحا في هذا الاختبار لا من موقع النتيجة وطبيعة القرار لكن من موقع التفاعل الإيجابي مع الشكاية التي وضعتها فرق المعارضة والمجموعة النيابية بمجلس النواب.
التمرين الديمقراطي هو أن تقوم المؤسسات بلعب دور الحكامة والتحكيم بين المواطنين وبين الفئات الاجتماعية من جهة والحكومة والمؤسسات الأخرى من جهة ثانية، حتى يتم حسم الجدل المثار حول مجموعة من المواد التي تضمنها القانون، الذي ما زال قيد النقاش، وأصبح الآن في حكم “المستعاد” حتى تتم مناقشته من جديد.
رسالة ينبغي أن يفهمها الجميع بخصوص قرار المحكمة الدستورية، هو أنه لا بديل عن التفاهمات في القوانين الكبيرة، ولا بديل عن المقاربة التشاركية والجلوس إلى طاولة الحوار، لأنه لا أحد يمتلك حقيقة القطاع، ولكن يمكن استخراجها من مائدة الحوار.
لعل في عودة القانون المثير للجدل للمربع الأول فرصة أخرى لإنقاذ القطاع، الذي يحتاج إلى تظافر الجهود، وتبين كم هي الحاجة ضرورية إلى الصحافة خلال تنظيم إقصائيات كأس إفريقيا للأمم، حيث انتفت الفواصل بين المؤسسات الإعلامية، وتبين أن محاولة التمييز بينها كبرى وصغرى ووسطى غير دقيق، وهذا ما انتبهت إليه المحكمة الدستورية، التي لم تنتبه أصلا للدور ولكن للدستور واعتبرته مخالفا للدستور.
قد يكون الصغير أفضل من الكبير في الفعل على أرض الواقع، لكن بالجملة البلاد بحاجة للجميع.






