اعداد: طارق ضرار
يُعدّ ابن البناء المراكشي واحدا من أبرز أعلام الرياضيات والفلك في الغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى، ومن الشخصيات العلمية التي أسهمت في ترسيخ تقاليد البحث الرياضي بالمغرب والأندلس. اسمه الكامل أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي، وُلِد بمدينة مراكش سنة 1256م تقريبا، في فترة عرفت تحولات سياسية وفكرية عميقة، تزامنت مع صعود الدولة المرينية التي أولت عناية خاصة بالعلم والعلماء.
نشأ ابن البناء في بيئة علمية أتاحت له التكوين في علوم متعددة، فدرس القرآن الكريم وعلوم اللغة والفقه، قبل أن يتجه إلى الرياضيات والفلك والحساب، وهي العلوم التي برع فيها وأصبح من روادها في عصره. وقد تلقى تعليمه على أيدي علماء بارزين، واستفاد من تقاليد علمية كانت قد ترسخت في مراكز علمية بالمغرب والأندلس، حيث ازدهرت حركة الترجمة والتأليف منذ قرون.
عُرف ابن البناء بذكائه الحاد وقدرته على تبسيط المفاهيم الرياضية المعقدة، ما جعله يحظى بمكانة مرموقة في الأوساط العلمية. ولم يقتصر اهتمامه على الجانب النظري، بل انشغل كذلك بالجوانب التطبيقية للرياضيات، خاصة في ما يتعلق بالحساب التجاري، وتقسيم المواريث، وضبط المواقيت، وهي مجالات كانت ذات أهمية عملية في الحياة اليومية آنذاك.
إسهاماته في الرياضيات والفلك وتراثه العلمي
يُعتبر كتابه “تلخيص أعمال الحساب” من أشهر مؤلفاته، وقد حظي بانتشار واسع في المغرب والأندلس، بل وتجاوز ذلك إلى أوروبا في ما بعد. ويتميز هذا العمل بأسلوبه المنهجي الواضح، إذ عرض فيه قواعد الحساب بطريقة مبسطة ومترابطة، مع تقديم أمثلة تطبيقية تساعد على فهم العمليات الحسابية المختلفة. وقد ساهم هذا الكتاب في نشر الثقافة الحسابية بين الطلبة والمهتمين، وأصبح مرجعا تعليميا لقرون.
كما ألّف ابن البناء شروحا وتعليقات على أعمال رياضية سابقة، وعمل على تطوير بعض المفاهيم المرتبطة بالجبر والحساب. وتظهر في كتاباته عناية خاصة بالدقة المنهجية والبرهان، وهو ما يعكس تأثره بالتقاليد العلمية التي أرستها مدارس المشرق الإسلامي، مع إضافة لمسة مغربية مميزة في طريقة العرض والتقعيد.
وفي مجال الفلك، اهتم ابن البناء بحساب المواقيت وضبط الاتجاهات، وهي مسائل كانت ترتبط بالحاجات الدينية، مثل تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة. وأسهمت أعماله في تطوير المعرفة الفلكية التطبيقية، من خلال جداول وحسابات دقيقة ساعدت على تحسين طرق القياس والرصد. كما كتب في علم التنجيم وفق المفهوم السائد في عصره، الذي كان يُنظر إليه آنذاك كعلم مرتبط بدراسة حركات الأجرام السماوية وتأثيراتها.
وقد تميزت شخصية ابن البناء بسعة الاطلاع وتعدد الاهتمامات، إذ لم يكن رياضيا فحسب، بل كان أيضا فقيها وأصوليا، ما يعكس طبيعة التكوين الموسوعي للعلماء في تلك المرحلة. وكانت مراكش، مسقط رأسه، إحدى الحواضر الكبرى في المغرب، ومركزا سياسيا وعلميا مهما، مما أتاح له الاحتكاك بعلماء وطلبة من مختلف المناطق.
حظي ابن البناء بتقدير معاصريه، وذكره عدد من المؤرخين والفقهاء في كتب التراجم، مشيدين بعلمه وفضله. وقد عُرف عنه حرصه على التعليم ونقل المعرفة، فكان له تلاميذ حملوا علمه إلى أجيال لاحقة، وأسهموا في استمرار تأثير مدرسته الفكرية. ويبدو أن منهجه القائم على التبسيط والتنظيم ساعد على ترسيخ مكانته في الذاكرة العلمية المغربية.
توفي ابن البناء سنة 1321م تقريبا، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي. ورغم مرور قرون على وفاته، فإن أثره ظل حاضرا في تاريخ الرياضيات بالمغرب، باعتباره من الأسماء التي أسهمت في وصل حلقات المعرفة بين المشرق والمغرب، وفي ترسيخ تقاليد البحث والتأليف في العلوم الدقيقة.
وتكمن أهمية ابن البناء في كونه مثّل حلقة وصل بين التراث الرياضي الإسلامي الكلاسيكي والتطورات اللاحقة، سواء داخل العالم الإسلامي أو في أوروبا، حيث انتقلت بعض مؤلفاته وأثرت في مسار التعليم الرياضي. كما يُجسد نموذجا للعالم الموسوعي الذي جمع بين النظرية والتطبيق، وبين العلوم العقلية والشرعية، في انسجام يعكس روح العصر الذي عاش فيه.
واليوم، يُستعاد اسم ابن البناء في سياق الاهتمام بتاريخ العلوم في المغرب، والبحث في جذور الإسهام المغربي في الحضارة الإنسانية. فإعادة قراءة أعماله وتحقيق مخطوطاته تمثل خطوة أساسية لفهم تطور الفكر العلمي في المنطقة، وإبراز الدور الذي لعبته الحواضر المغربية في إنتاج المعرفة ونشرها.
بهذا المعنى، لا يُعد ابن البناء المراكشي مجرد عالم رياضيات من الماضي، بل هو رمز لمرحلة تاريخية ازدهرت فيها العلوم الدقيقة في الغرب الإسلامي، واسم من الأسماء التي تؤكد أن المغرب كان، في زمن من الأزمنة، فضاء خصبا للإبداع العلمي والبحث الرصين.







