اعداد: طارق ضرار
يُعدّ ابن المؤقت المراكشي واحداً من الأعلام البارزين في تاريخ المغرب العلمي خلال القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، وقد ارتبط اسمه بعلم التوقيت والفلك والحساب، حتى غلب عليه لقب “المؤقت” الذي صار علماً عليه وعلى أسرته. جمع بين التكوين الشرعي المتين والدراية الدقيقة بالعلوم الرياضية والفلكية، فمثّل نموذج العالم الموسوعي الذي يخدم الدين بالعلم، ويخدم العلم بالاجتهاد والانضباط.
نشأ ابن المؤقت في مدينة مراكش، في بيئة علمية محافظة، حيث كانت المدينة آنذاك إحدى الحواضر العلمية الكبرى في المغرب، تحتضن المدارس العتيقة والزوايا ومجالس العلماء. وتلقى تعليمه الأولي في الكتّاب، فحفظ القرآن الكريم صغيراً، ثم انخرط في حلقات العلم بجامع بن يوسف وغيره من مساجد مراكش، فدرس الفقه المالكي، والحديث، والتفسير، وعلوم اللغة، قبل أن يتجه إلى التخصص في علم التوقيت والحساب والفلك.
وينتمي ابن المؤقت إلى أسرة عُرفت باهتمامها بعلم التوقيت، وهو العلم الذي يُعنى بحساب أوقات الصلوات وضبط المواقيت الشرعية ورصد الأهلة والكسوف والخسوف، اعتماداً على قواعد رياضية وفلكية دقيقة. وقد كان لهذا العلم مكانة خاصة في المجتمعات الإسلامية، لارتباطه الوثيق بالشعائر الدينية، ما جعل وظيفة “المؤقت” داخل المساجد الكبرى وظيفة علمية رفيعة تتطلب إلماماً بالحساب والهندسة والهيئة.
تتلمذ ابن المؤقت على عدد من علماء عصره، فاستفاد من شيوخ الفقه والحديث، كما أخذ علوم الحساب والفلك عن علماء متخصصين، وتدرج في تحصيله حتى صار مرجعاً في مجاله. وقد عُرف بدقته في الرصد والحساب، وبقدرته على تبسيط المسائل المعقدة لطلابه، مما أكسبه شهرة واسعة داخل مراكش وخارجها.
تولى ابن المؤقت مهمة التوقيت في أحد مساجد مراكش الكبرى، فكان مسؤولاً عن تحديد أوقات الصلاة بدقة، وضبط التقويم الهجري، ورصد الأهلة في المناسبات الدينية. ولم تكن هذه المهمة مجرد إجراء تقني، بل كانت عملاً علمياً يومياً يقتضي مراقبة حركة الشمس والنجوم، واستخدام أدوات الرصد التقليدية كالأسطرلاب والربع المجيب، إضافة إلى الاعتماد على الجداول الفلكية والحسابات الدقيقة.
إلى جانب عمله في التوقيت، انشغل ابن المؤقت بالتدريس والتأليف. فقد درّس طلاب العلم مبادئ الحساب وعلم الهيئة، وربط ذلك بأحكام الشريعة المتعلقة بالمواقيت والقبلة، فكان يبرز التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الرياضية. ولم يكن يرى في الفلك علماً منفصلاً عن الدين، بل اعتبره وسيلة لفهم انتظام الكون ودقته، وما في ذلك من دلائل القدرة الإلهية.
ترك ابن المؤقت عدداً من المؤلفات والرسائل، تناول فيها مسائل التوقيت والحساب والفلك، إضافة إلى بعض الشروح والتعليقات على متون علمية متداولة في عصره. وتميزت كتاباته بالجمع بين الطابع التعليمي التطبيقي، والحرص على الدقة المنهجية. كما تضمنت بعض مؤلفاته جداول وحسابات عملية تساعد المؤقتين وطلبة العلم على أداء مهامهم بكفاءة.
وقد عاش ابن المؤقت في فترة شهد فيها المغرب تحولات سياسية وعلمية مهمة، مع بداية احتكاك البلاد بالعلوم الحديثة القادمة من أوروبا. ورغم أن تكوينه كان تقليدياً في جوهره، فإنه أبدى انفتاحاً حذراً على بعض المستجدات العلمية، خصوصاً في ما يتعلق بتحسين أدوات الحساب وضبط المواقيت. وكان حريصاً على أن تظل المرجعية العلمية منضبطة بأصولها، دون رفض مطلق لكل جديد.
اتسمت شخصية ابن المؤقت بالصرامة العلمية والزهد في المظاهر. فقد عُرف بتواضعه وقربه من طلابه، وبحرصه على نشر المعرفة دون مقابل يُذكر. وكان يرى في التعليم رسالة ومسؤولية، لا مجرد وظيفة. كما عُرف بدقته الشديدة في المواعيد، وهو أمر يعكس طبيعته كعالم توقيت يقيس الزمن بالحساب والرصد.
لم يكن اهتمامه بالزمن مقتصراً على جانبه الفلكي، بل كان يدرك قيمته الأخلاقية والروحية. فكان يحث طلابه على اغتنام الأوقات، وتنظيم أعمالهم، وربط العلم بالعمل. وقد انعكس هذا الوعي في سيرته اليومية، حيث كان يقسم يومه بين الرصد والتدريس والمطالعة والعبادة.
ومع تقدمه في السن، ظل ابن المؤقت محافظاً على نشاطه العلمي، واستمر في أداء مهامه إلى أن أقعده المرض. وقد خلف وراءه تلاميذ حملوا علمه ونشروه في مناطق مختلفة من المغرب، ما أسهم في استمرار تقاليد علم التوقيت والحساب في المساجد العتيقة.
توفي ابن المؤقت المراكشي بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، تاركاً إرثاً يعكس مرحلة مهمة من تاريخ العلوم في المغرب. وقد ظل اسمه مقترناً بعلم التوقيت، حتى صار يُذكر كلما ذُكر المؤقتون المغاربة الذين خدموا المساجد بعلمهم، وضبطوا الزمن في مجتمع كانت فيه المواقيت جزءاً من انتظام الحياة اليومية.
يمثل ابن المؤقت نموذج العالم الذي جمع بين الأصالة والانضباط العلمي، وبين خدمة الدين وخدمة المعرفة. ففي زمن لم تكن فيه الوسائل التقنية الحديثة متاحة، استطاع بعلمه واجتهاده أن يحقق دقة لافتة في حساب الزمن ورصد الظواهر الفلكية، وأن يربط ذلك كله برسالة تربوية وأخلاقية. وهكذا بقي اسمه شاهداً على تقليد علمي مغربي عريق، جعل من التوقيت علماً قائماً بذاته، ومن العالم المؤقت ركناً أساسياً في بنية المجتمع العلمي والديني.







