عندما تسافل الزمن الحكومي وسقط إلى مستويات دنيا أصبحت العديد من الفئات المهنية تشن الإضرابات المفتوحة ليس من أجل تنفيذ الملفات المطلبية ولكن من أجل تطبيق مبدإ دستوري: المقاربة التشاركية.
نص الدستور على المقاربة التشاركية في كل القوانين التي يتم إنجازها، فهو مبدأ وآلية، والدستور نفسه الذي يعتبر أسمى وثيقة دستورية تم إنجازه وصياغته وفق المقاربة التشاركية، والإنصات لكل الفئات الاجتماعية والمهنية وكل المنظمات السياسية إلا من أبى وأراد أن يكون خارج الحوار.
لكن تنزيل هذا المبدإ تضرر كثيرا مع هذه الحكومة، ولا يعني تبرئة السابقات، لكن مع حكومة عزيز أخنوش أصبح إلغاء التشاركية مبدأ وآلية حكومية، حيث تركب الحكومة رأسها وتصيغ القوانين بعيدا عن المهنيين.
على الأقل هناك أربع حالات واضحة يمكن الاستدلال بها على هذا السقوط الخطير:
نبدأ بالحالة الأولى المتعلقة بالإضراب الشامل الذي أعلنت عنه نقابات الصيادلة والذي سيكون لمدة أسبوع أول تتلوه أسابيع أخرى، مما يهدد صحة المواطنين، والغريب أن النقابات الأكثر تمثيلية في القطاع تقول إنها راسلت الوزير الوصي على القطاع قصد فتح الحوار حول ملف التوصية التي تسعى لتحويل القطاع إلى “التحرير”.
والنموذج الأوضح في كل هذا هو الإضراب الذي شنته هيئات المحامين، والذي استطاع شل المحاكم بشكل نهائي وتعطيل قضايا ومصالح المواطنين والمتقاضين بل تعطيل الحركة القضائية وتنفيذ القانون وخلق إشكالات كثيرة لمجموعة من المصالح خارج المحاكم وعطل حتى جزءًا من حركة الاقتصاد، قبل أن يتم استقبال نقيب المحامين من قبل رئيس الحكومة والاتفاق على آلية مشتركة للحوار.
تصور أن الإضراب يتحول هدفه من تحقيق المطالب المادية إلى مجرد فرض الحوار، الذي قد تتم فيه الاستجابة للمطالب أو لا تتم، وتقديم رؤية المحامين في قانون يهمهم أراد وزير العدل الاستفراد بصياغته، ولم يتراجع إلا بعد أن أصبح الأمر غير مطاق مما اضطر الحكومة في شخص رئيسها للتدخل، بعدما كان الوزير الوصي على القطاع لا يريد أي حوار.
النموذج الثالث هو قانون الإضراب الذي مر من كل مراحل التشريع، وصدر بالجريدة الرسمية، غير أن الحكومة ما زالت مترددة في تنزيله على أرض الواقع خشية أن يخلق مشاكل اجتماعية وقانونية وتوترات، وخلال مراحل إنجازه لم تستشر الحكومة أحدا، ولما قامت المركزيات النقابية بالاحتجاج تم التحايل على مطالبها من خلال الوعد بأنه سيتم مراجعته بشكل كبير في مجلس المستشارين وهو الأمر الذي لم يكن مطلقا وتم تمرير القانون كما كان وهو الموجود حاليا.
رابعة الأمور الدالة على استفراد الحكومة بصياغة القوانين، مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة الذي تمت صياغته خارج دائرة المقاربة التشاركية، وتم فرضه فرضا وما زالت احتجاجات الصحفيين متواصلة لفرض تطبيق مبدإ دستوري: المقاربة التشاركية.






