يزداد استعداد المغاربة لمائدة مختلفة على أبواب رمضان الكريم. للمغاربة طقوس موروثة من التاريخ البعيد والقريب ولا يمكن حرمانهم منها تحت أية دريعة. كما يشكل رمضان دورة اقتصادية متكاملة تنتعش فيها التجارة وتنتعش بعض الحرف التي ترتبط بالمواسم والمناسبات. ولا ينبغي إثقال كاهل المغربي حتى يصبح بين نارين: إما ثقوب كبيرة في ميزانية العائلة واللجوء إلى الاقتراض وإما التخلي عن طقوسه وعاداته؟
إن أي هجوم على مائدة المغاربة وسلوكهم الرمضاني هو محاولة لضرب الثقافة المغربية في عمقها. نعم لتهذيب الطقوس لكن لا لضربها، لأن بها يتقوم وجودنا كمغاربة، ولا تنفصل السياسة عن الاقتصاد عن الثقافة، وأي توجه اقتصادي بشع هدفه الربح ومراكمة الثروات سيكون على حساب الأصول الثقافية لبلادنا، ولا يوجد أخطر من ذلك.
اليوم ونحن على مقربة من الشهر الفضيل نعيش أزمة مضاعفة، الأولى خلقتها الطبيعة من خلال الفيضانات، والثانية تتكرر كل سنة من خلال المضاربين والمتحكمين في سلاسل التوريد والتوزيع، وخصوصا فيما يتعلق بالبضائع التي يكثر عليها الإقبال بشهر رمضان الفضيل وأساسا التوابل والتمور بكل أصنافها، التي تعرف من الآن تصاعدا مرعبا ومخيفا نتيجة للتحكم غير القانوني في سلاسل التوريد وسلاسل التوزيع.
إذا كانت الفيضانات مما لا نستطيع التحكم فيه وإعادة توجيهه، فإن الاحتكار نستطيع محاربته ومواجهته بل الضرب على يد كل من سولت له نفسه العبث بالأمن الغذائي للمغاربة، الذي لا ينفصل عن باقي أنواع الأمن بل هو أساسها ولهذا جاء في الأثر الشريف “كاد الفقر أن يكون كفرا”، فمن من المحتكرين قادر على تحمل “كفر” الناس والعياذ بالله؟
إن استغلال الفيضانات من قبل بعض تجار الأزمات هو مسمار في عجلة المعالجة الشاملة التي اتخذتها الدولة بكافة مؤسساتها، التي تميزت بالرؤية الاستيباقية حيث تم اتخاذ تدابير حافظت على أرواح المواطنين، ولم يتم تسجيل أية حالة وفاة لحد الساعة في مناطق الفيضانات، باستثناء بعض الحالات في تطوان وطنجة، التي كانت نتيجة عن مفاجآت الطريق.
وقامت مؤسسات الدولة قبيل إجلاء الساكنة بتوفير مخيمات للإيواء ومراكز تم تجيهزها لهذا الغرض، وكانت الأمور متناسبة مع حجم الكارثة، التي لا يمكن الاستهانة بها، باعتبارها واحدة من أخطر الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب، ولا يسعنا إلا أن نقول إنه تم القيام بالواجب وإن ننتظر الأكثر وهذا طبيعي فكل المجتمعات تطمح لما هو أحسن.
وقد باشرت السلطات المعنية في مواجهة مستغلي الكارثة لأغراض غير بريئة قصد الاغتناء الفاحش وغير القانوني، وزاد المحتكرون للسلع الوضع سوءا بعد انخفاض حركة النقل لكثير من المناطق أو ارتفاع تكلفتها.
فمن جهة هم يحتكرون سلاسل التوريد، وبالتالي يتحكمون في السوق ويتحكمون في التوزيع ويتحكمون في الأسعار وفي قوت الناس ويستغلون الكارثة لملأ خزائنهم.






