الكوارث الطبيعية قدر لم يتمكن الإنسان إلى اليوم من تفاديها، وإن كان ينبغي الاستعداد لها. لكنها تظهر معدن الإنسان المغربي، حيث كشفت كارثة الفيضانات أن المغربي يعطي دون أن ينتظر مقابلا من أي كان، ولا يتوقع عوضا وبديلا ولكنه يعتبره عملا في “سبيل الله” بلا خلفية سياسية أو غيرها.
كما أظهرت الفيضانات الحاجة الماسة إلى المخازن الاستراتيجية، التي جسدت الرؤية الملكية لاستباق الكوارث التي لا يمكن ردها، لكن يمكن التفاعل معها بسرعة، وقدرة الدولة المغربية على الاستجابة السريعة لمتطلبات المرحلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالطوارئ، فلا أحد كان يتوقع هذه الهطولات الكبيرة، التي شكلت حالة نادرة لم يعرفها المغاربة من قبل.
لقد كشفت الكارثة عن حس مغربي وطني كبير لدى الجميع دون أن نستثني أحدا بمن كان من قبل مفرطا في عمله، لكن رموز الدولة التي تشكل عصبها كانت حاضرة من الساعات الأولى لتكون جنب الساكنة المتضررة أو المتوقع تضررها، وهكذا نزلت القوات المسلحة الملكية، تحت تعليمات جلالة الملك محمد السادس وتنفيذا لأوامر قائدها الأعلى، وسارعت إلى المشاركة في عمليات الإجلاء، التي شكلت عنصرا مهما في حماية الأرواح، كما سارعت إلى وضع مخيمات بمواصفات عالية لإيواء المتضررين.
كما لاحظ الجميع الحضور المكثف لعناصر السلطة والوقاية المدنية، التي استعملت كل الوسائل قصد إنقاذ المواطنين، حيث تم توظيف ما يقع تحت أيديها من قوارب مطاطية وسيارات وشاحنات، بل حتى بالأيدي رأيناهم يحملون النساء العاجزات والأطفال.
الصور التي تم توثيقها على عادة رواد السوشل ميديا حملت إلينا مشاهد لا يمكن نسيانها، فليست وظيفة رجل الوقاية المدنية أو عنصر الأمن أو الجندي أن يحمل شخصا بين يديه، ولكن عبر الوسائل المتاحة، وهذه المظاهر أخرجت لنا باطن هذا المغربي الأصيل، القادر على التضحية.
مغاربة أعربوا عن استعدادهم لاحتضان العائلات التي فارقت بيوتها قسرا، ومواطنون من مستوى متوسط أعلنوا تكفلهم بعدة أشخاص، ناهيك عن الطبيخ الذي رأيناه في كل زقاق وبيت وبالقرب من الأمكنة التي تحتضن المواطنين.
ويمكن تسيير قوافل التضامن بالتنسيق مع السلطات المعنية كما جرى أثناء زلزال الحوز، وما زال في جعبة المغاربة العديد من الأشكال التضامنية، التي لا تخلو من حس إنساني رفيع المستوى.
الوقت ليس وقت المحاسبة ولكن لابد من الإشارة إلى أنه وسط هذا الكم من الالتزام الواضح لكل المسؤولين بكافة المستويات، الغياب الملحوظ لرئيس الحكومة بما يحمل من رمزية باعتباره رئيس الجهاز التنفيذي، كما لا يفوتنا الحديث عن مسؤوليات بشرية تتحملها وزارة التجهيز والماء بشكل مباشر، ولابد من أن يتم حولها تحقيق آني ومفتوح أيضا لمعرفة مستويات المسؤولية البشرية عما حدث، فيما يتعلق بتنقية السدود ومجاري المياه.
اللحظة صعبة وتحتاج إلى يقظة الجميع مسؤولين ومواطنين، الذين عليهم تسهيل عمليات الإجلاء قبل الكارثة.






