إعداد: محمد عفري
وأنا أشاهدهم جميعا على هكذا لُحمة وعلى هكذا قدر من الحب، وعلى هكذا تفاهم واستعداد من أجلي؛ كنت أكد في كبح جماح عينيّ المغرورقتين في عَبراتهما؛ لأن لا أسقط في مطب الإجهاش بالبكاء أمامهم.
“كارلا” كالمعتاد؛ كانت رائعة جدا، تجمع بين قوة بديهة الشخصية المعهودة فيها والذكاء؛ ومع ذلك كنت استشعر حجم معاناتها الجسدية التي كانت تنم عن بالغ تأثرها العميق بفراقنا المُحتمَل..وما العمل وكيف المواجهة؛ إن كنا على امتداد ثماني عشرة سنة، من فترة زواجنا؛ لم يسبق لنا قط الابتعاد عن بعضنا البعض لأكثر من يومين إلى ثلاثة، على الأكثر، و نحن لم نكن نعرف لحظتها، كم من الوقت ستستغرقه مدة فراقنا المفروض علينا. أهي بضعة أسابيع أم عدد من الشهور، أو أكثر..؟!؟
لا ندري! ولا أحد كان بإمكانه أن يدري أو يدرك..وحتى المحامون الذين تنصبوا للدفاع عني لا يستطيعون الإدراك والمعرفة، بل لا أحد منا جميعا، كان يمني النفس بالخَوض في هذا الموضوع أصلا؛ فمرحلة الشك التي كنا نعيش؛ كانت مؤلمة وخطيرة وباعثة على أن نقلق ونتوتر؛ لأنها خلّفت إحساسا بالدوار وخَلقت فضاء شاسعا من التيه..
لم يكن بمقدورنا؛ لا أن نرضى بالواقع أو نسلّم بالأمور، ولا أن نستعد لأي شيء مُبهم، ولا أن نندفع لنستبق الأحداث..
كل ما في الأمر؛ كان من الصعب عليّ جدا القدرة على تحمّل عدم رؤية “كارلا” بشكل يومي، لكنني نجحت إلى حد ما، في منع نفسي من التفكير في هذا الابتعاد القسري، لأنني كنت أعرف أنه لو انغمست في موضوعه أو انشغلت به، لأصِبتُ بالإحباط، ولَانهار بالتالي بُنيان الصرح العائلي، وأنا في غنى عن هَـدِّ هذا الصرح، رغم أنه كان بمقدوري هدمه، لو تماديت في التفكير في فراقي؛ أنا و”كارلا”..
كنت أحس بأنني عماد أسرتي، كما كنت على يقين تام بأن كل فرد منا؛ قادر على الارتقاء والاستفادة من هذه الشدة التي وتّقت أكثر فأكثر أواصر قرابَتنا داخل الأسرة ووطدتها، لأنه لم يكن لنا من خيار آخر غير الصمود من أجل النجاح في المواجهة، وذلك في الوقت الذي كنت فيه أنا جِد سعيد بهذه الأسرة المركبة، التي يوحدها الحب وتزيد من لُحمتها الشدائد..
طوال وجودي، تسلقت سلم حياتي الاجتماعية درجة بأخرى وبتُؤدة، إلى أن سقطت الآن من شاهِق، وبشكل مباغت، وأقل ما يمكن قوله هو إنه هبوط نوعي لكل شيء ووجب تقبـُّله وفهمه، كما وجب الاستفادة منه.
كنت أحاول إقناع نفسي، بهكذا منظور، مشددا على أن الفشل إدا حل علَي جائرا اليوم، فإن نجاحي كان في الماضي استحقاقا لا يناقش لفائدتي. لقد كان لزاما عليّ أن أحتوي كل نوبات الغضب وحملات الاستنكار التي كانت تقض مضجعي وتعتصر قلبي كلما تذكرت تلك المؤامرة الدنيئة التي تم زعمها ضدي بشكل مشوه، والمعروفة بالتمويلات الليبية- القدافي.
كنت أتوخى الحذر من أن أضيع قيد أنملة من طاقتي الإيجابية بسبب هده المشاعر السلبية، مقابل إصراري على الحفاظ على مشاعري البناءة، كما كنت استجمع كل قواي لتسخيرها لفائدة هدف واحد ووحيد، ألا هو الصمود طوال وقت هدا الاعتقال التعسفي وغير العادل..
لست في وارد التباهي إن قلت إنني كنت على وعي تام بقضيتي، ما جعلني دوما، على قدر كبير من الطموح في النجاح، وجعلني أيضا لا أحمل قط مسارها على محمل الاستصغار أو التقليل، كما لست في وارد التواضع إن أكدت أن التجربة علمتني أننا جميعا، نعرف أنفسنا، عندما نكون على محك الاختبار، وليس عندما نتوقف عند محطة الترقب والحدس..







