إعداد محمد عفري
لم يكن خـفـري من طرف رجُلي الأمن داخل السجن وحده من زاد في غرابة الوضعية التي خُصصت لي كرئيس أسبق لفرنسا، ولكن التشديد على وضعي مقيما في نفس الحي الذي يقيم فيه سجناء كانوا خطرين بقدر خطورة الإجرام الذي حوكموا من أجله؛ هو ما كان أكثر غرابة بالنسبة لحالتي تلك…
ففي هذا الحي السجني الذي أقمت فيه؛ تم وضع هؤلاء السجناء في زنازن خاصة وفي عزلة تامة عن بعضهم البعض، وعن الباقي من المعتقلين؛ إذ لا يمكن لأي شخص رؤيتهم ولا اللقاء بهم؛ والأكثر من ذلك؛ فإن زنزانتي كانت من زنازنهم بهذا الحي في طابق علوي؛ بحراسة مشددة؛ لا يمكن الولوج إليه إلا بعد الخضوع لإجراءات مراقبة وبحث وتفتيش غاية في الشدة والتدقيق والصرامة والحرص..
الأنكى؛ أنه كلما كان سجين واحد من هؤلاء السجناء يهم بالخروج من زنزانته لغاية من الغايات؛ كان سجن “لاسانتي La Santé” بكل مرافقه يتوقف عن الحركة لفسح المجال له من أجل المرور.
باختصار؛ كان جيراني من السجناء في هذا الحي الاستثنائي؛ مسجلين في خانة المجرمين الخطر، يقضون عقوباتهم السجنية بجواري، لأن منهم إرهابيين إسلاميين مشهورين في التطرف و ضمنهم قَـتَـلة متنوعين وتجار مخدرات كبار ثم مغتصبين، فيما انا كنت رئيس دولة أسبق، الشيء الذي جعل زوجتي “كارلا” تكون على قدر كبير من الاستياء، تغلي من الاحتجاج في دواخلها في كل لحظة، وإن لم يكن بشكل علني ففي قرارة نفسها، تجاه وضعي هذا، وأنا في حي سجني مثل هذا وبجوار كل هؤلاء؛ وذلك مخافة على سلامتي واستنكارا لجعلي ضمن مختلف “أنواع البيض في سلة واحدة”؛ إذ
منذ الوهلة الأولى، ومهما حاولَت جادة، فإنها لم تستطع إخفاء استياءها العارم من هذا الوضع، من إقامتي بهذا الحي.
ما كان أمامي إلا أن أتقاسم معها المشاعر نفسها تضامنا معها وانا غاية في الإحساس بها؛ لكن ما عساي؛ ما علي إلا تجرّع كأس المرارة حتى الثمالة كما يقال؛ إن كنت أنا على اقتناع تام باخنياراتي وقراراتي وفي تمام الارتياح، ومادمت رفضت الاستفادة من الأفضلية التي اقترحها علي الرئيس ماكرون، كما رفضت الاستفادة من أدنى أي امتياز ممكن مذ تحملت المسؤولية وعلى امتداد مساري..
لذلك؛ فدخولي الى السجن وانا بريء براءة تامة مما نُسب إلي؛ شكل لي أهم وأكبر اختبار؛ لكن ان أسجن بتهمة الاستفادة من امتيازات؛ فذلك ما لا يمكن استساغته ولا هضمه وبالتالي يجعلني أعاني من عقوبة مضاعفة لم أتقبلها ولم أتحمل عواقبها وتداعياتها..
اتصل بي إيمانويل ماكرون مرة أخرى، يوما واحدا قبل دخولي السجن، وكان الإثنين الموافق للعشرين من أكتوبر، اتصل ليقول لي بأنه استوعب في الأخير موقفي وقدّره. شكرته جزيلا وأنا أشعر بارتياح كبير..
تعامله وتصرفاته، خلال الأيام الأخيرة، أثرت في نفسيتي بشكل كبير، وإن لم تكن غيرت أي شيء في البواقع، لدلك و لأجله أنا ممتن له، إلى يومنا هذا، لأن يقظة وعيه بقضيتي وإدراكه بموقفي، وإن كانا متأخرين فإنهما هما وجه الحقيقة والصدق.
كنت في حالة لا يحسد عليها من حيث الأفكار التي تدور في دهني، ومن حيث الشعور الذي كان ينتابني، لتحل تلك اللحظة، التي كان ينتظرها عدد من خصوم لي، كانوا غاية في العناد، كما كانوا على أتم الاستعداد للشماتة في أي كان ولأي سبب تافه كان، ولم أكن لأشك فيهم قيد أنملة في تلددهم، بما كان سيؤول إليه مصيري، ما ستصبح عليه حياتي في خضم هده البيئة الجديدة علي و على أسرتي وعائلتي
دخلت سيارتي إلى باحة سجن “لاسانتي – La Santé “، وأُغلق الباب من خلفنا بإحكام..
إنني في السجن! إحساس غريب وغير مسبوق انتابني، وكلما استطيع قوله إنني كنت على حافة الهاوية.. حاولت أن أفرغ دهني من كل شيء، بل ألا أفكر في أي شيء، لأهرب وأضع نفسي في فقاعة تمنيت أن تقطع وصلي مع العالم الخارجي حيث كانت أسرتي التي تركت في أحوال لا تحسد عليها..







