إعداد: محمد عفري
مر الوقت بسرعة البرق في ذلك الصباح..
كان عَلَي التفكير مليا، في التخلص البتّة من كل شيء، إلا من ذلك الدفء الأسري العارم الذي كان يعم المنزل ساعتها..
“فيرونيك فاشي” الذي يدير وفدي الصغير؛ بشغف قل نظيره وكفاءة لا تشوبها شائبة؛ كان قد أخبرني بالعدد الهائل من الأشخاص الذين تدفقوا أفرادا وزرافات إلى المنزل ومحيطه، وذلك بعد النداء على أبنائي ومطالبتهم بِـلَـمّ شملنا على مرأى من عيني، لحظة تلك المناسبة العصيبة؛ مناسبة خروجي من المنزل وذهابي..
كان أكثر من ألف شخص قد بدؤوا في التجمهر، دعما لي، أمام سكنانا ومحيطها، بداية من الساعة الثامنة من ذلك اليوم، الذي صادف يوم عطلة، احتفالا بـ” لا تُوسان – La tousaint” (قُداس، بمثابة عيد ديني يحتفل به كاثوليكُ المسيحيين، ترحّما على أرواح جميع القديسين في العالم).
من جود الله علينا وكرمه، أن فعل ربنا بنا خيرا، صباح ذلك اليوم؛ إذ كان طقسه صحوا جميلا، بسماء زرقاء وشمس مشعة، لا غيمة واحدة في الأفق، تلوح بقطرة شتاء ممكنة؛ على عكس ما كانت عليه الأحوال في الساعة نفسها والتوقيت ذاته، قبل يوم واحد فقط، حيث كانت أحوالا ممطرة، تحبس الأنفاس وتمنع من الترجـُّل إلى خارج البيوت.
كان ذلك مؤشرا قويا وجـِدّ إيجابي لارتفاع معنوياتي، لأنني أحسست لحظتها بالعناية الإلهية تَحـفُـني جملة وتفصيلا ومن كل حدب وصوب، ليس لأنني متدين، ولكن لأنني مسيحي مثالي، ما ألزمني أن أحمل معي صليبا، كما تعودت على ذلك وتربيت عليه تربية روحية متأصلة.
مع ذلك، لم تكن هناك أخبار كثيرة تبعث على الانشراح، إلى درجة أنني لم أعد قادرا على تجاهل أصغر وأقل إشارة إيجابية يمكنها أن توحي بالانفراج، علما أن عددا كبيرا من أصدقائي، كانوا قد شرحوا لي أن الاعتقال الدي تم فرضه عَـلَـي سيمنحني فرصة سانحة لتَـتَـنَـور سبيل قضيتي..
تأثرا بذلك، سمحتُ لنفسي أن أعيش على الأمل الكبير، لأن كل ذلك كان بالنسبة إلي إيحاءات تذهب إلى حد تمـتــيـعي بعـفـو سابق لأوانه.
لم أَبـُـح بأسرار هذه الأحاسيس والإيحاءات إلى أيّ كان، حتى إلى أقرب المقربين؛ لكني فكرت خلال تلك اللحظة الحساسة والحاسمة جدا في مسار حياتي وجزمت أن يكون التوجه إلى الله بالصلاة هو طوق النجاة الأمثل والأجدر لإنقاذي من براثن المطب الدي أتخبط فيه. كان هذا الإحساس الغريب جديدا بالنسبة إليَ، إذ لم يكن مسموحا لي بـرفض أي مساعدة ممكنة لمواجهة هدا الظلم، خصوصا إذا تعلق الأمر بمساعدة من السماء.. لدلك كنت حملت معي، عن قصد؛ نسخة من السيرة الذاتية لـ”السيد المسيح”؛ المكتوبة من طرف”جان- كريستيان بـوتي فيس- Jean- Christian Petitfis”.
كانت كل صفحة من هذا الكتاب تدعوني إلى التفكير وإلى إعطاء معنى، بل إلى فهم بأنه لا ذرة شك، في أن كل شيء لا يحدث أبدا دون جدوى أو بمحض الصدفة، ما جعلني أستشعر بأن لغزا خفيا قد يكون مُـبَطـنا في هذه الدراما الكوميدية..
كان الاختيار واحدا، سهلا وبسيطا؛ إما أن أنهزم أمام هذا الامتحان الصعب فتكون نهايتي المرة حتمية، وإما أن يقودني الامتحان ذاته إلى أن أكون شخصية عظيمة.
لذلك، قررت أن أسير في طريق الشق المنير من هذا البديل، أو أحاول، على الأقل؛ السير فيه..
حلت الساعة المفجعة لمغادرة بيت العائلة، وكم حملت هُـمـوم لحظتها خشية وخوفا، على امتداد أسابيع.
هل كان بمقدوري ضبط عواطفي؟!؟ أجزم أنني لم أكن متأكدا..






