إعداد محمد عفري
كنا قد طلبنا، مُسبقا، من أبنائنا أن يلحقوا بنا عـُنوة متأخرين ببضع دقائق بعد أن أكون أنا و”كارلا” قد نزلنا معا الـزُّقاق المسدود الذي يوجد، عند آخره، مقرُّ سكنانا..
على طول مائة متر مشيا من مخرج منزلنا؛ كان عدد من الكاميرات وآلات التصوير قد تمكن من ملاحقتنا خطوة، خطوة..
كانت لحظتها “كارلا” تشد بيدها على يدي بحب وقوة متقطعي النظير، مكّناها من تحريك شجوني وقلب كياني الى حدود كتابة هذه السطور ..كانت هي التي سمحت لي بشد يدي بعضنا البعض لتجعلني أستمر ، بل لأواصل الصمود، ومع كل ذلك، كنت أحس أنها على حافة الهاوية رغم شكيمتها وقوة عزيمتها..
لحظة الفراق أصبحت حاضرة لدينا وبقوة، ولا مناص لنا من تأجيلها أو تفاديها أو الإفلات منها..
ونحن نسير، همستُ إلى”كارلا” بالقول إننا بعد ثمانية عشر من الزواج؛ أضحينا في الأخير أكثر الأزواج سعادة في الكون؛ نعيش صلابة لُحمتنا..
فمواجهتنا لهذه الشدة معا، وجنبا إلى جنب؛ كانت لحظة جميلة لتقاسم المشاعر؛ خصوصا أن الشدة هذه، لم تتمكن بتاتا، إلى حدود اللحظة، من هزمنا.
وهي غارقة في العاطفة؛ لم تهمس”كارلا” ببنت شفه، ظلت صامتة واقتربت مني أكثر فأكثر لتلصق جسدها بجسدي.
لقد كانت مُـحِقـة. لماذا الكلام إذن، ونحن لم نعد في حاجة ماسة إلى الكلمات ليفهموننا، علما أن الزيادات والشوائب ليس لها من فائدة في مثل هذه النائبات..
عند وصولنا أمام حشود الداعمين لنا، رأيت العديد من الوجوه غارقة في الحزن وبعيون دامعة، إلى درجة لم يمكنني تحمل نظراتهم إلينا، وإلى حد أصبحتُ معه قاب قوسين أو أدنى من فقدان توازني.
لم يكن بوسعي نـطق كلمة واحدة، لأن مشاعر جـياشة انتابتـني، ولحسن الحظ أنني لم أبرمج أي تصريح ولم أخطط لأي خطاب، لأنني، ببساطة، كنت غير قادر البتة، على الإدلاء بأي شيء كان أو الحديث إلى أي كان بالوجه الذي يجب.
تصفيقات الحاضرين، وعلى قدر الكثافة التي كانت عليها، تضاعـفـت عند حضورنا، فيما كان العِـنان قد أُطلِـق لـترديد “لا مارساييـز – La Marseillaise”؛ نـشيد فرنسا الوطني، بشكل تلقائي، وسط الحضور ليؤثث الفضاء.
لم يكن لي من بُـد في مصافحة الحاضرين بعضهم بعضا، وإن كان ذلك تم بشكل فيه حرج وضيق، لأنني لم استطع قط الشد بحرارة على واحدة من الأيادي التي مُـدت إلي بسخاء وعفوية تنمان عن دعمي ومساندتي المطلقين، الشيء الدي جعل موجة من المشاعر الفياضة تغمرني.
عانقت “كارلا” للمرة الأخيرة، لأضع حدا لانغماسي في هكذا مأساة وضعني فيها تعاطف الحضور الكثيف وصعوبة لحظة الفراق. قبـّلت ابنتي فكادت موجة من البكاء ان تنتابني، لولا أنني استطعت بالكاد كفكفة دموعي عند الأحداق، ورميت بنفسي، بكل ما في الكلمة من معنى، داخل السيارة، لأن رغبتي كانت هي الاختفاء، بسرعة البرق، من ذاك المشهد المؤثر.
توالت التصفيقات وتعالت أصواتها ليتردد صداها على مسمعي رغم ابتعاد سيارتي بمسافة على مكان هدا المشهد الذي أصبح بئيسا، أكثر فأكثر.
كان يركب بجانبي “كريسطوف إنغران – Cristophe Ingrain”، صديقي المحامي الدي يحمل وزر قضيتي والدفاع عني. التفتت إليه لأجده بوجه منكسر وشاحب من شدة امتزاج الحزن بالمشاعر.
لم نستطع تداول ولو كلمة واحدة طيلة مسافة الدقائق الأولى من المسار الدي قطعته سيارتنا في اتجاه السجن.
عمدت جاهدا الى كسر الصمت من آجل التخلص من ذلك الجو الذي انتهى إلى أن يكون جد رتيب، وبالتالي التخلص من كل آلام تلك اللحظة..
في البداية، ارتجف صوتي ولو أنني كنت نجحت في استرجاع معنوياتي تزامنا مع التقاطي لأنفاسي.. فأن تحافظ على رباطة جأشك في مثل هكذا لحظات وفترات ليس بالأمر الهين أو السهل..
لحظتها كنت في قرارة نفسي أفكر بتهكم في ذلك الكم الهائل من المقالات الصحفية بشأن قضيتي؛ مستحضرا قوتي المزعومة، ولسان حالي يسائل محرريها هل يعرفون كيف كنت أحس بنفسي واهنا في تلك اللحظة بالذات..
الحلقة المقبلة: موكبي إلى السجن ذكرني بموكب رئيس فرنسا الدي كُنته..







