إعداد: محمد عفري
اتجه نظري إلى خارج السيارة، فكان المشهد الذي انكشف أمامي جد مدهش.
بزيهما الرسمي؛ شرطيان من فرقة الدراجين التابعة لمحافظة الأمن؛ كانا يفسحان لنا الطريق، دون أن يكونا استرعَـيا اهتمامي بادئ الأمر، فيما اثنان آخران من نفس الجهاز؛ يضعان شارة الشرطة على ذراعيهما؛ كانا يقفان عند مستوى البابين الخلفيين للسيارة التي تقِلُّـني..
موكب مثير للإعجاب من دراجات وسيارات الصحافة والإعلام، كان يلاحقنا على امتداد مئات الأمتار، وتجمـّع كثيف لعائلات بكاملها، وأفراد وجماعات من الجنسين، ومن مختلف الأعمار، على الأرصفة كما على نواصي الأزقة والشوارع؛ كانوا يستقبلوننا بالتصفيق ويلتقطون لنا الصور، ويلوّحون لنا بتحيات المحبة وإشارات النصر. كل ذلك، شكـل مَشاهد عادت بي إلى الوراء، لأتخيل نفسي أنني في ليلة انتخابي رئيسا للجمهورية في ماي 2007؛ لذلك كان موكبي إلى السجن باعثا على الموكب الرسمي لرئيس الدولة الدي كنته، قبل سنوات، الشيء الدي أثار حماسي.
لكن يوم الواحد والعشرين هذا؛ كان مغايرا تماما في واقعه؛ إذ كان من دون فرحة ومن دون مجد، وموكبه بالخصوص، ينقل معتقلا واعدا إلى سجن “لاسانتي” الباريزي، وليس بموكب رئيس..
فجأة، سخافة الموقف علت مُحياي:
لماذا كل هذا الترتيبات وهذا البروتوكول، ولماذا كل هذه التشريفات وهذه الاحتياطات؟!؟أ
هي لإخفاء فضيحة قضائية، بكل بساطة أم محاولة للتخفيف منها؟!..
ولماذا الزج بي في غياهب السجن؟!؟ أهو خوف من أن أهرب، أو أغادر فرنسا، وأنا الذي كنت تحت أنظار الشرطة لـأربع وعشرين ساعة على أربع وعشرين خلال كل السنوات الأخيرة دون أن يتم توقيفي..
ذروة المهزلة في هذه المسرحية؛ كانت هي وصولي إلى مقر السجن بخمس وعشرين دقيقة قبل الموعد المحدد لهذا الوصول.
بكل تأكيد حدث ذلك، لأنه ضِمن ذلك الموكب وبروتوكوله، وجراء الإجراء، المحكم لذاك الخفر المثير لم يعترض طريقي لا ازدحام للمرور ولا علامات التشوير بالضوء الأحمر.
لسبب ذلك الوصول المبكر إلى السجن كان من الضروري أن يتم توقيف سيارتي والموكب المرافق، لأن الإدارة السجنية التي كانت في انتظار استقبالي منذ ثلاثة أسابيع على أحر من الجمر؛ لم تكن مستعدة! والهارب المحتمل الذي كنته؛ هو من أصبح ينتظرها على بعد مائة متر من باب السجن عسى أن يحين الوقت لتقبل به الإدارة السجنية وتستقبله في ضيافتها!
كيف يمكن وصف هذا العرض الشاذ من الفرجة بعدما اضطررنا إلى البقاء لدقائق طويلة تحت نظرات الاستغراب والحيرة لوسائل إعلام دول المعمور؛ الشيء الذي كان مثيرا للحماس وجعل الكثير من الجلبة حولنا وفتح الباب لتساؤلات عديدة حول هذا التوقيف الفجائي للموكب والحيلولة دون السماح لي بالدخول، والشيء الذي جعل كذلك المناسبة سانحة لبعض المارة بإغناء رصيد ألبوماتهم بالتقاط صور لنا مباشرة او اخذ صور شخصية بآلية “السيلفي”..
لقد نفذ صبري، وتمنيت أن أُرمى بسرعة داخل السجن، على أن أبقى عالقا في مثل هكذا وضعية ومشهد، وضحكت في قرارة نفسي على هذا التناقض..
انتهى بي المطاف في الأخير، بعد دقائق طويلة من الانتظار، إلى أن يُفسح لي المجال، ويكون مَسموحا لي بتجاوز تلك البوابة الفولاذية الضخمة للمؤسسة السجنية، وهي البوابة التي لم يسبق لي أن شاهدتها عن كثب، إلا في بعض الأفلام أو بعض التحقيقات الصحفية؛ وإن لم يكن ذلك عبر بث مباشر أو نقل حي.
وفي الوقت الذي كنت أرى هذه الباب العملاقة الوازنة تزلـِج على سكتها ببطء شديد؛ فكرت مليا في سخرية القدر حُيال واقع الوصول قبل الموعد المحدد، وحُيال التوقيف الذي فرض الانتظار، ثم حُيال حياتي هذه، التي أصبحت أكثر عبث وغرابة؛ لأتساءل لماذا أعيش أوضاعا أكثر صخبا ياتُرى؟!..







