اعداد: طارق ضرار
يعد عبد الله كنون واحداً من أبرز أعلام الفكر والأدب في المغرب خلال القرن العشرين، وأحد الوجوه التي جمعت بين العلم والأدب والعمل الوطني في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد. فقد شكّل حضوره العلمي والثقافي امتداداً لتقاليد راسخة في مدينة طنجة، وأسهمت مؤلفاته ومواقفه في ترسيخ الوعي بالهوية الثقافية المغربية، والدفاع عن اللغة العربية، وإحياء التراث الوطني في سياق الاستعمار وما بعد الاستقلال.
وُلد عبد الله كنون سنة 1908 بمدينة طنجة، في أسرة علمية محافظة تعود أصولها إلى شمال المغرب. وكانت طنجة آنذاك مدينة دولية ذات وضع خاص، تتقاطع فيها التأثيرات الثقافية والسياسية، وهو ما أتاح له منذ صغره الاحتكاك ببيئات فكرية متنوعة. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب القرآنية، فحفظ القرآن الكريم وتشبع بعلوم اللغة والفقه، قبل أن يتابع دراسته على أيدي عدد من العلماء في طنجة وتطوان وفاس، متعمقاً في علوم الشريعة واللغة والأدب.
لم يتلقّ كنون تعليماً جامعياً بالمعنى الحديث، بل كان ثمرة مدرسة تقليدية أصيلة قائمة على التحصيل الذاتي والمطالعة الواسعة. وقد مكّنته هذه المنهجية من بناء شخصية علمية موسوعية، جمعت بين التمكن من التراث العربي الإسلامي والانفتاح على مستجدات الفكر الحديث. ومنذ شبابه المبكر، أظهر ميلاً واضحاً إلى البحث والتأليف، مدفوعاً بإحساس عميق بالمسؤولية تجاه الهوية الثقافية للمغرب في ظل الوجود الاستعماري.
برز اسم عبد الله كنون بقوة مع صدور كتابه الشهير “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، وهو العمل الذي اعتُبر منعطفاً في كتابة تاريخ الأدب بالمغرب. في هذا المؤلَّف، سعى إلى إبراز إسهام العلماء والأدباء المغاربة في الحضارة العربية الإسلامية، رداً على أطروحات كانت تقلل من شأن الإنتاج الثقافي المغربي أو تعتبره هامشياً قياساً بالمشرق. وقد اعتمد منهجاً توثيقياً وتحليلياً، جامعاً بين التراجم والدراسة النقدية، ليؤكد أن المغرب كان على الدوام فضاءً للإبداع العلمي والأدبي.
لم يكن مشروعه الثقافي مجرد جهد أكاديمي، بل كان يحمل بعداً وطنياً واضحاً. ففي زمن كانت فيه السياسات الاستعمارية تسعى إلى طمس الهوية العربية الإسلامية للمغرب أو فصلها عن عمقها الحضاري، جاء عمله ليعيد الاعتبار للذاكرة الثقافية الوطنية. وهكذا تحوّل “النبوغ المغربي” إلى مرجع أساسي في الدراسات الأدبية، وإلى بيان ثقافي يؤكد خصوصية المغرب ضمن الفضاء العربي.
إلى جانب اهتمامه بالتأريخ للأدب، كتب عبد الله كنون في قضايا الفكر الإسلامي والإصلاح الديني، وشارك في النقاشات المرتبطة بتجديد التعليم وتطوير مناهجه. وكان يرى أن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الجمع بين الأصالة والمعاصرة، أي الحفاظ على الثوابت الدينية واللغوية، مع الانفتاح على العلوم الحديثة. وقد عكس هذا التوجه مواقفه الداعية إلى إصلاح التعليم الديني وتحديث أساليبه دون التفريط في جوهره.
كما ارتبط اسمه بالحركة الوطنية المغربية، إذ انخرط في العمل الإصلاحي والثقافي المناهض للاستعمار، وساند مطالب الاستقلال من موقعه كعالم ومثقف. لم يكن سياسياً بالمعنى الحزبي الضيق، لكنه كان صاحب مواقف واضحة في الدفاع عن سيادة المغرب ووحدته. وقد شكّل قلمه منبراً للتعبير عن تطلعات جيله، مساهماً في ترسيخ خطاب وطني يستند إلى المرجعية الإسلامية واللغة العربية.
بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، واصل عبد الله كنون نشاطه العلمي والثقافي، وأسندت إليه مهام رسمية في الحقل الديني والثقافي. وقد تولى رئاسة المجلس العلمي المحلي بطنجة، وظل مرجعاً في الفتوى والإرشاد، جامعاً بين الوظيفة الدينية والاهتمام البحثي. كما كان عضواً في عدد من الهيئات العلمية، وأسهم في إثراء المكتبة المغربية بمؤلفات ودراسات تعكس عمق اطلاعه واتساع معارفه.
امتاز أسلوبه بالجمع بين جزالة اللغة ودقة التوثيق، مع ميل واضح إلى الدفاع عن العربية باعتبارها وعاء الهوية والثقافة. وكان يعتبر أن صون اللغة هو صون للذات الحضارية، ولذلك دافع عن تعريب التعليم والإدارة في مرحلة ما بعد الاستقلال، مع الدعوة إلى اكتساب اللغات الأجنبية بوصفها أدوات معرفة لا بدائل عن العربية.
لم تقتصر اهتماماته على الأدب والفكر، بل كتب أيضاً في التاريخ والتراجم والسير، موثقاً لحياة عدد من العلماء المغاربة، ومبرزاً أدوارهم في نشر العلم والدعوة والإصلاح. وقد أسهم هذا الجهد في حفظ جانب مهم من الذاكرة الثقافية الوطنية، خاصة في ظل ندرة الدراسات الأكاديمية المتخصصة في تلك المرحلة.
عرف عن عبد الله كنون تواضعه وزهده في الأضواء، رغم مكانته العلمية الرفيعة. فقد ظل مرتبطاً بمدينته طنجة، يمارس التدريس والإرشاد، ويستقبل طلاب العلم في بيته ومسجده. وكان يؤمن بأن العالم الحق هو الذي يظل قريباً من الناس، موجهاً وناصحاً، لا منغلقاً في برج أكاديمي معزول.
توفي سنة 1989، مخلفاً وراءه إرثاً علمياً وفكرياً لا يزال حاضراً في الدراسات الأدبية والتاريخية المغربية. وقد شكلت سيرته نموذجاً للعالم الموسوعي الذي جمع بين الوفاء للتراث والانخراط في قضايا عصره، وبين الالتزام الوطني والعمل العلمي الرصين.
إن استحضار سيرة عبد الله كنون اليوم لا يندرج فقط في باب الوفاء لأعلام المغرب، بل يفتح أيضاً أفق التفكير في دور المثقف في المجتمع. فقد أثبت أن الدفاع عن الهوية لا يعني الانغلاق، وأن الاعتزاز بالتراث يمكن أن يكون منطلقاً للتجديد لا عائقاً أمامه. كما جسّد نموذج العالم الذي يسهم في بناء الوعي الجماعي، عبر الكلمة المسؤولة والبحث الجاد.
وبذلك يبقى عبد الله كنون علامة فارقة في تاريخ الثقافة المغربية الحديثة، ورمزاً لجيل من العلماء الذين حملوا همّ الإصلاح والتنوير في زمن التحولات الكبرى. لقد كان صوته جزءاً من معركة إثبات الذات الثقافية للمغرب، وسيرته شاهد على قدرة الفكر على مقاومة التهميش وصناعة المعنى في أحلك الظروف.






