إعداد: طارق ضرار
سلسلة “علماء من بلادي”، رحلة معرفية تسلط الضوء على أعلام أناروا مسارات الفكر والفقه والقانون والعلوم في المغرب. نستحضر من خلالها علماء تركوا بصماتهم في التاريخ، وأسهموا في ترسيخ مدرسة مغربية في الاجتهاد والتأصيل، إلى جانب كفاءات معاصرة تواصل العطاء داخل الجامعات ومراكز البحث.
السلسلة ليست مجرد استعادة لسير ذاتية، بل قراءة في أثر العلماء وتحدياتهم وإسهاماتهم التي تجاوزت حدود الوطن. في كل حلقة نقترب من سيرة عالم، لنؤكد أن المغرب كان ولا يزال أرض علمٍ وعلماء، وأن المعرفة أساس النهضة وصناعة المستقبل.
القاضي عياض سيرة إمام صنع مجد المدرسة المغربية
في سجل العلماء الذين أنجبتهم هذه الأرض، يبرز اسم الإمام القاضي عياض بوصفه أحد أعمدة الفكر المالكي وأحد أبرز وجوه الحضارة العلمية في الغرب الإسلامي. لم يكن مجرد فقيهٍ أو قاضٍ تقلّد منصبًا رسميًا، بل كان مدرسةً قائمة بذاتها، جمعت بين رسوخ العلم، وصرامة المنهج، وسموّ الأخلاق، حتى أصبح اسمه عنوانًا لمرحلة ذهبية من تاريخ المغرب والأندلس.
وُلد عياض بن موسى اليحصبي سنة 476 هـ/1083م بمدينة سبتة، التي كانت آنذاك من الحواضر العلمية المزدهرة. نشأ في أسرة عُرفت بالصلاح والاهتمام بالعلم، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، وتلقى مبادئ اللغة والفقه، قبل أن يتجه إلى التوسع في علوم الحديث وأصول الفقه. ولم يكتفِ بما توفر في مدينته، بل شدّ الرحال إلى الأندلس، حيث التقى بأعلام كبار وتتلمذ على أيديهم، فازدادت شخصيته العلمية نضجًا واتساعًا.
كان القرن الخامس والسادس الهجريان زمنَ تحولات سياسية كبرى، إذ عرفت المنطقة انتقال الحكم من المرابطين إلى الموحدين، غير أن الحركة العلمية ظلت نابضة بالحياة، تشهد حلقات الدرس والمناظرات، وتنتج المصنفات في مختلف العلوم. في هذا المناخ تبلورت شخصية القاضي عياض، فبرز بسرعة بين أقرانه بفضل قوة حفظه، ودقة فهمه، وقدرته على الجمع بين الرواية والدراية.
تخصص في المذهب المالكي، لكنه لم يكن مقلدًا جامدًا، بل فقيهًا ناقدًا، يحسن الترجيح بين الأقوال، ويستند إلى الأدلة، ويوازن بين النصوص ومقاصدها. جمع بين الفقه والحديث، وهو الجمع الذي منح فتاواه قوة وعمقًا، إذ كان ينطلق من معرفة واسعة بأقوال الأئمة وأسانيدهم، مع قدرة على تحليل الواقع وتنزيل الأحكام عليه.
تولى القضاء في سبتة، فكان مثالًا للقاضي العادل، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. عُرف باستقلاليته، وحرصه على النزاهة، وصرامته في تطبيق أحكام الشرع، مما أكسبه احترام العامة والخاصة. ثم انتقل إلى غرناطة حيث تولى القضاء أيضًا، قبل أن تعيده التحولات السياسية إلى المغرب. وقد واجه في بعض الفترات تضييقًا ومحنًا بسبب مواقفه، غير أن ذلك لم يثنه عن الثبات على قناعاته.
غير أن شهرة القاضي عياض لم تقف عند حدود منصبه القضائي، بل تجاوزتها إلى آفاق التأليف والعطاء العلمي. ويأتي في مقدمة مصنفاته كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، الذي يُعد من أشهر الكتب في السيرة النبوية وبيان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وحقوقه على الأمة. في هذا الكتاب، جمع بين النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال العلماء، ليؤسس رؤية متكاملة حول تعظيم النبي ومحبته ونصرته.
لم يكن “الشفا” كتاب مديح فحسب، بل كان عملًا علميًا دقيقًا، اعتمد فيه مؤلفه على منهج توثيقي وتحليلي، ما جعله يحظى بانتشار واسع في المشرق والمغرب. وتعددت شروحه، وأصبح يُدرّس في المدارس والزوايا والجامعات قرونًا طويلة، حتى غدا جزءًا من الوجدان الديني والثقافي في المغرب.
ومن أعماله الكبرى أيضًا كتاب “ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك”، الذي يُعد موسوعة في تراجم علماء المالكية. بهذا المصنف، حفظ القاضي عياض الذاكرة العلمية للمذهب، وربط الأجيال اللاحقة بسلسلة علمائها، مسهمًا في ترسيخ الهوية الفقهية للمغرب. لقد أدرك مبكرًا أن صيانة المذهب لا تكون فقط بتدريس فروعه، بل كذلك بحفظ سير رجاله ومساراتهم العلمية.
اتسمت كتاباته بالدقة والوضوح، وامتازت لغته بالبلاغة دون تكلف، ما يعكس تكوينه الأدبي إلى جانب الفقهي. فقد كان ملمًا باللغة والشعر وأخبار العرب، وهو ما أضفى على مؤلفاته بعدًا ثقافيًا أوسع. كما عُرف عنه تواضعه وحرصه على إفادة طلبته، إذ كان مجلسه مقصدًا للعلماء والطلاب من مختلف المناطق.
توفي القاضي عياض سنة 544 هـ/1149م بمدينة مراكش، بعد حياة حافلة بالعطاء. لكن رحيله لم ينه حضوره، بل ظل اسمه حاضرًا في حلقات الدرس وكتب الفقه والحديث، واستمرت مؤلفاته تُنسخ وتُشرح وتُدرّس عبر العصور. وقد عُدّ من كبار أئمة المالكية في الغرب الإسلامي، ومن الشخصيات التي أسهمت في إشعاع المدرسة المغربية خارج حدودها.
إن استحضار سيرة القاضي عياض اليوم هو استعادة لروح مرحلة كان فيها العالم يحتل مكانة مركزية في المجتمع، وكان العلم معيار الوجاهة والقيادة. لقد جسّد نموذج العالم الذي يجمع بين المعرفة والعمل، وبين الجرأة في الحق والالتزام بالأخلاق، وبين الانفتاح على العلوم والوفاء للأصول.
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه مصادر المعرفة، تبدو تجربة القاضي عياض دعوةً للعودة إلى قيمة التأسيس العلمي الرصين، وإلى أهمية الجمع بين العمق الفقهي والوعي بالواقع. فهو لم يكن مجرد حافظٍ للنصوص، بل مفكرًا قادرًا على قراءة عصره، والتفاعل مع تحدياته، وصياغة موقف علمي متوازن.
هكذا، تفتتح سلسلة “علماء من بلادي” مسارها بسيرة إمامٍ كبير، ليبقى القاضي عياض شاهدًا على أن المغرب كان ولا يزال أرض علمٍ وعلماء، وأن تراثه ليس صفحاتٍ مطوية في كتب التاريخ، بل رصيدٌ حيّ يمكن أن يلهم الأجيال ويغذي مسارات الإصلاح والفكر في الحاضر والمستقبل.






