إعداد: محمد عفري
ما من شك أن “كارلا” عاشت أسوأ لياليها، لذلك حاولت تهدئتها بجُمل كنت على وعي كامل برتابتها المقيتة وبعدم جدواها، ومنها مثلا: 《 سترَين، كارلا؛ كل شيء سيمر بسرعة..》؛ قلت هذا، محاولا إنقاذ ماء الوجه بالكاد، رغم أن نبرة صوتي وأنا أتكلم، كانت تفضح تلك المحاولة اليائسة في خيانة ذلك النذر القليل مما تبقى من القناعة التي كنت عليها في تلك اللحظة بالذات. من جهتي، لم أكن أنا أيضا، على أحسن ما يرام من حيث النوم تلك الليلة، التي امتزجت فيها الحقيقة بأجمل ذكرياتي، ومع دلك؛ عمدت إلى مطالبة أبنائنا الالتحاق بنا إلى مائدة آخر وجبة لـ”فطور الحرية” لنتناوله جماعة، وقد كانت مناسبة ملؤها السعادة العائلية والدفء الأسري رغم الظرفية القاسية..لقد كانوا لحظتها صعاب المراس، ثائرين ومتوترين، فيما كنت أنا أحاول تغيير أجوائهم بتغيير شد الانتباه إلى الموضوع. ولأن أطفالنا الصغار الثلاثة تقاسموا معنا أحاسيسنا ومشاعرنا دون فهم كُنه تفاصيل ما يجري ويدور، وهم في سن مبكرة، فإنني عملت جاهدا على تسخير هده التراجيديا التي كنا نعيش؛ لتوطيد اللُحمة بيننا أولا، ولجعل كل واحد منا قادر على استخلاص العبر ثانيا، بل استخلاص القوة، في مثل هكذا ظروف، أو استخلاص، على الأقل، موجبات التعلم والإدراك، فالتطور والنمو..
لدلك ولأجله؛ تناولت الكلمة لأطمئنهم وأبين لهم مستوى ارتفاع معنوياتي، وبالتالي، تقاسمها معهم، الشيء الدي جعلني أُكد في تتفيه فكرة السجن، استعدادا لأن لا تكون الأوهام المعتادة أثناء تداول الحديث عن اعتقالي وتوقيفي عبئا إضافيا من القلق والتوتر،أكثر مما كانوا عليه وكنا عليه جميعا.
الحقيقة كانت مرة، إن لم تكن وحشية، إلى درجة إنني كنت مضطرا إلى التفنن في الكذب، من أجل التقليل من هولها، ومن أجل تتفيهها قدر الإمكان.. لدلك حاولت أن أبدو فرحا مسرورا وفي أريحية تامة، على الأقل بالقدر الدي كنت أبدو عليه قبل هده المرحلة الحرجة.
مرة أخرى، لاحظت من تداولنا الحديث أن العروض كانت أكثر جدية وواقعية أكثر مقارنة بالبراهين والأدلة، ولازمة “افعلوا ما أفعل..” أصبحت أكثر صلة وتَناسب مع لازمة “افعلوا ما أقول..”.
ظل “لويس” صامتا لإخفاء قلقه الشديد ضد هدا الظلم. لاحظت أنه كان يكبح بجهد جهيد قوته وفراسته، رغم أن مزاجه كان عكرا، وهو ما جعلني أكون مسرورا جدا لشجاعته.
من جانبه؛ “جون” كان مهتما معتنيا جدا بأخته، متحملا مسؤولية دور الأخ الأكبر بإتقان، معتمدا على الحميمية، وفي الوقت نفسه، على الذكاء اللذين كان يتمتع بهما عادة، بينما كان ” بيير” يتبدى في عفويته المعهودة وطيبوبته المعتادة، حيث ظل دائما نقطة ضوء مشعة بالنسبة لكل واحد منا.
أما “غوييا”، التي كانت أتمت مؤخرا ربيعها الرابع عشر؛ فلابد أنها كانت قد فعلت، كل ما في وسعها، جاهدة من أجل مواجهة هده المرحلة العصيبة المكلفة لها جدا.. وعلى الرغم من أنها عانت كثيرا طوال الليل، من نزلة حُمى، اشتدت بها؛ فقد أصرت كل الإصرار على أن ترافق باقي إخوانها إلى لقاء تجمعات الدعم والمساندة التي كانت تحلقت أمام منزلنا، مند الساعات الأولى من الصباح. لقد كانت مريضة بكل ما في الكلمة من معنى، وبالكاد كانت تقف ومع دلك كانت مصرة ملحاحة. كانت تُردد إلى والدتها:” أريد أن أكون إلى جانب أبي، سيكون محبطا مستاء حينما يشتاق إلي وأشتاق إليه..لن أستطيع إسعاده عن بعد..”.
باختصار، لقد تحطمت موجة متمنياتنا في وقايتها من كل اهتزاز نوعي مفترض على صخرة إرادتها الشبابية القوية، ودلك في الوقت الدي ظل فيه ربيبي “أوريليان” مركزا، متحفظا ودفقا بالأحاسيس.
وكانت الأسرة على أهبة واستعداد..







