محمد عفري
(ترجمة لبعض فقرات الكتاب)
استيقظت باكرا في ذلك اليوم، الموافق لـ 21 أكتوبر 2025 ..لقد كان يوم اعتقالي..
أبدا، لم يكن لي أن أتصور أنني سأتجاوز أسوار سِجن ما، أو أعبرها في يوم ما.. لم يكن ممكنا تخيل ذلك؛ لأنني لست رجلا عنيفا ولا معتديا..لقد أديت، كما ينبغي، ضرائبي الواجبة علي، وبانتظام، ولم يسبق لي أن صممت أو أعددت لأي استفادة كيفما كان نوعها.
لمدة عشرين سنة؛ شغلت مَهَمة عُمدة لمدينة كبيرة هي”نويّي- سُّور – سين- Neuilly- sur- Seine” من دون أن يكون إعلان عروض أثمان واحد، أو أي إجراء مالي أو إداري موضوعَ أدنى ملاحظة أو محط طارئ صغير..
ما الذي كان يمكن أن يحدث لي؟
لا شيء؛ إلا إذا كان هناك ما يبرر خيالا جامحا أو جنونا طافحا للعظمة؛ ذانَيك كانا اعتقادي وتفكيري، وتوالي الأحداث سيبين جسامة خطأي ومداه..
في ذلك الصباح المشمس، وأنا أعبر شوارع باريس، في اتجاه سجن “لا سانطي- La Santé”؛ كان علي الاقتناع بأن ما لم يكن في الحسبان قد حدث و أن المُحال قد وقع، وما الذي تمكّن، يا ترى، من الزجّ بي في الهامش الأسوأ من التاريخ، بل ما الذي اقترفتُ ليكون جزائي بهكذا معاملة، وما الجرائم التي ارتكبت؟!؟
يجب علي اليوم أن أعترف بعمق سذاجتي، إذ لم يكن لي أن أتصور قط أن اعتلائي قمة هرم الدولة سيشكل تهديدا مباشرا لعائلتي ولي أنا أيضا ذات يوم، الشيء الدي جعلني مندهشا ليس من جسامة الأحداث التي أصبحت أعيش وتسارعها بل من تسلسلها.
خلال خمس سنوات؛ كنت رئيسا للجمهورية الفرنسية. لقد شكل ذلك شرفا عظيما لي وحظوة استثنائية، وفي الوقت نفسه جريمة جسيمة في عيون كل الذين يكرهون السلطة السياسية، خصوصا إذا كانت مستمدة من” اليمين”، ومن هذا اليمين كنت أنا ولا أزال؛ دون ندم أو أسف، بل دون أي مركب نقص بالخصوص، الشيء الذي لم يكن ليبعث على قيد أنملة من الشك في أي ظرف مشدد ..
أنا رجل شَرس، ولا يمكن إخفاء ذلك. لا أحافظ على أي شيء، أو احتفظ به في قرارة نفسي؛ وهذا ما يؤدي بي غالبا إلى الانفعال أو إلى التفاعل بشكل مبالغ فيه، ويدفعني إلى الانغماس في صراعات لا فائدة منها، بل إلى جرح نظرائي والمتحدثين إلي دون جدوى.. في الوقت ذاته، وبالمقابل؛ فإن سلوكي هذا؛ يطهر خوالجي من المشاعر السيئة..
هكذا؛ فأنا لا أستطيع البتة أن أكِنّ كراهية ما، وبالأحرى أن تكون كراهية مستدامة، لأي كان، كمالا أحمل ضغينة ما، ضد أي شخص؛ ذلك ما يجعل أصدقائي، غالبا ما يوجهون لي اللوم والعتاب كوني أسامح بسرعة فائقة وأنسى بكل سهولة الإساءة إلي والغدرَ بي.
لقد أدركت أن الكراهية شعور خطير يتغذى على نفسه، ويتقوى يوما بعد يوم إلى أن تصبح القدرة على التخلص منها منعدمة. بمعنى أدق أنه بالقدر الدي نكره؛ بالقدر الدي نزداد رغبة وطموحا في الكراهية في عَود متسلسل وبلا نهاية..
هذه السلوكات كانت غريبة علي، ولم أتصور أن أُوضع داخل إطارها في يوم ما؛ وأقل ما يقال إني كنت أستبعد كل البعد أن أصبح يوما ما، لدى الكثير من الشغوفين محط إثارة وحماس غير مناسبين لشخصي، ولا يليقان بي ..
لقد كنت إذن متهورا، وها قد أديت بأغلى الأثمان؛ الإدانة والسجن، وهاهو المُحال قد أصبح واقعا حقيقيا..
تلك كانت هي الأفكار التي تشغل بالي وأنا استيقظ ذلك الصباح من الواحد والعشرين أكتوبر، وأولى كلمات زوجتي “كارلا”، لحظة استيقاظها؛ كانت تساؤلات:《 أي كابوس هذا ! ماذا اقترفنا لنعاني كل هذا الرعب ؟》.







