إعداد: محمد عفري
انتهى بي المطاف، بعد دقائق طويلة من الانتظار، إلى أن يُفسح لي المجال، ويكون مَسموحا لي بتجاوز تلك البوابة الفولاذية الضخمة للمؤسسة السجنية، وهي البوابة التي لم يسبق لي أن شاهدتها عن كثب، إلا في بعض الأفلام أو بعض التحقيقات الصحفية؛ وإن لم يكن ذلك عبر بث مباشر او نقل حي.
وفي الوقت الذي كنت أرى هذه الباب العملاقة الوازنة تزلـِج على سكتها ببطء شديد؛ فكرت مليا في سخرية القدر حُيال واقع الوصول قبل الموعد المحدد، وحُيال التوقيف الذي فرض الانتظار، ثم حُيال حياتي هذه التي أصبحت أكثر غرابة؛ لأتساءل لماذا أعيش اوضاعا أكثر صخبا ياتُرى؟!..
حذث كل هذا؛ حينما كنت أستعد لاستلام رقم اعتقالي الذي هو
320535 والذي، من تلك اللحظة فصاعدا، سيصبح هو هويتي وتعريفي، وأنا الذي قبل أربعة أيام فقط؛ كنت الرئيس الأسبق للجمهورية؛ حيث تم استقبالي من طرف الرئيس إيمانويل ماكرون شخصيا، بقصر الإليزي، وهل يخطر بـِبـَال أحد أن سبق وحدث تباينٌ مدهش، مثل هذا، او وضعية أكثر عبثية مثل هذه.
كان علي صفع نفسي من أجل قبول هذا الواقع، رغم أن الحقيقة تظطرني إلى القول بأنني لا أقبله؛ وأرفضه رفضا باتا ..
لقد كان رئيس الجمهورية ألح على أن يستقبلني بالقصر، الجمعة التي سبقت تاريخ سجني ووَافقَـت يوم السابع عشر من أكتوبر؛ أي أربعة أيام فقط قبل سجني.
لم يكن لدي ما أقول له،كما لم تكن لدي أدنى رغبة تُذكر في اي محادثة ودية معه، لأنه بعد قراره الكارثي في 2024، القاضي بحل الجمعية الوطنية( البرلمان)؛ أصبحت علاقتنا متباعدة.
لم أستوعب؛ بل لم أقبل بذلك القرار الذي اعتبرته نزوة بأضرار كثيرة على فرنسا أكثر منها أضرارا على صاحب القرار نفسه..
كانت الحيطة ومعها الحذر قد فرضا نفسيهما كذلك على جو هذا الاستقبال، وذلك جراء تجريدي من وسام جوقة الشرف الذي كنت قد وُشِّـحتُ به، إذ لم يكن لفعل سحب هذا الوسام مني وقعا صدمني، أكثر مما كانت الطريقة التي تم بها، وأنا الذي سبق لي ووُشحتُ في 2004 من طرف الرئيس جاك شيراك بوسام للجمهورية من درجة فارس، بعدما تم استحضار استحقاقاتي، من قبيل تدخلي في عملية “هيومان بومب- Human Bomb”، وهي العملية التي تمكنتُ خلالها من إنقاد حيوات أطفال صغار في روض مدرسة؛ وُضعوا بالقوة والعنف تحت قبضة مختل عقليا كرهائـن مقابل فدية، وإلا يقوم بتفجير المدرسة بكاملها.. (قضية “إيريك شميت” الذي هاجم في 13 ماي 1993، مدرسة “القائد شاركو” بـ”نويي- سير- سين”وهو مسلح بحزام ناسف واستطاع ان يحجز 21طفلا ومُدرّستهم رهائن لديه، لمدة 48 ساعة داخل المدرسة؛ وكان ساعتها نيكولا ساركوزي عمدة المدينة، لمدة عشر سنوات خلت، ووزيرا للميزانية قبل ست أسابيع فقط؛ هو المحاور الوحيد لهذا المجرم، واستطاع أن يقنعه دون ان يصاب طفل واحد بأذى أويكون هناك ضحية لهذا الاعتداء، وذلك بالإفراج عنهم جميعهم بعد يومين من الاحتجاز في الـ 15من نفس الشهر؛ لكن مع مصرع ايريك شميت من طرف القوات الأمنية طبعا)..
انتخابي لرئاسة الجمهورية جعل مني السيد الأول للنظام مانحـا إياي أفخم وسام للشرف، والجميع يدرك انني لم أقم بهذا العمل وغيره، بهدف أن يتم توشيحي، لكن أن يتم تجريدي من الوسام الأخير وهو الأرفع في فرنسا؛ فإن ذلك همني بعض الشيء..
لقد تعلقت بمثل هذه الامتيازات الخادعة في الماضي، لكن حان الوقت لأتخلص منها ليكون ذلك درسا للعديد من الأشخاص وليستعدوا إلى التضحيات الجسام؛ فأن تجعل من المحنة منحة وعطاء هي أحسن طريقة لتتجنب المعاناة وهي تلطريقة عينها الني غالبا ما استعملتها في حياتي فانتهيت حقيقة إلى إقناع نفسي…







