يأتي “تيه المرايا وسفر الظلال” للكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس بوصفه نصًّا هجينًا يتجاوز الحدود التقليدية بين السيرة والتأمل الفلسفي وأدب الرحلة… للكشف عن البنية العميقة للسفر كحالة وجودية، يصبح التيه فعلًا معرفيًا يعيد تشكيل الذات ويصوغ علاقتها بالآخر والعالم.
ينفتح النص على تقاطعات بين الشعر والفلسفة، إذ يحوّل تجربة السفر إلى مختبر للمعنى، حيث تتحوّل التفاصيل العابرة إلى إشارات دالة على هشاشة الإنسان وامتلائه في آن واحد.
ينبنى نص “تيه المرايا وسفر الظلال” على بنية سردية متشظية، لا تتقيد بخط زمني أو جغرافيا ثابتة. كل فصل بمثابة جزيرة سردية، ولكنه يظل متصلًا بخيط داخلي من التأمل الفلسفي. هذه البنية المفتوحة تعكس جوهر التيه نفسه؛ حيث تتحول الكتابة إلى رحلة، لا تحدد مسبقًا نهاياتها أو وجهاتها، بل تعيش متاهة المعنى. حيث غياب العقدة التقليدية، فالنص ليس حكاية عن رحلة ذات تتعثر وتكتشف نفسها في مرآة المدن والطرقات… بقدر ما هو سفر في السفر، خطاب حول الرحلة لا كنص نقدي بل كتأمل فكري يعكسه عنوان الكتاب “تيه المرايا وسفر الظلال”. لذلك يبدو الزمن غير خطي، لأنه زمن شعوري، يتسع وينقبض وفق لحظة التأمل، ما يمنح الكتاب صبغة شاعرية تتجاوز السرد الواقعي.
يستعمل الكاتب عبد العزيز كوكاس اللغة ليس كأداة لوصف المكان بقدر ما يتكئ عليها كآلية لاختراق ثبات المعنى وثبات المكان ذاته، إذ نجد أن النص يستخدم استعارات حسّية ومجازات كثيفة، تتجاوز المكانية لتكشف ما تحت السطح: رائحة الأمكنة، ملمس الجدران، أو “الغياب الذي يترسب في الذاكرة مثل وشم”. من هنا شعرية التفاصيل في “تيه المرايا وسفر الظلال” حيث تتحول اللغة إلى عدسة تلتقط ما لا يُرى، مثل الصمت، الهشاشة، واللحظات التي لا تنبّه إليها الكاميرات.
أهم ما يميز النص هو قدرته على جعل اللامرئي مادة جمالية حيث يهتم الكاتب بما يتوارى خلف الصورة: شعور الغربة، ارتجافة القلب، صمت الطريق، وذاك الذي “يُعاش ولا يُقال”. هذه الرؤية تجعل النص قريبًا من أدب الرحلة التأملي عند بروس كاتو أو باسكال ميرسييه، لكنه يطوّر مسارًا عربيًا خاصًا، يستلهم من تراث المتصوفة مثل ابن عربي، ومن حداثة الكتابة الشعرية.
يعتبر التيه في هذا النص رحلة بحث عن المتعذر الإمساك به. إنه مفهوم أقرب إلى الفلسفة الصوفية أو الرؤية الوجودية: التيه كمعرفة حيث يتجاوز السفر حدود الجغرافيا ليغدو معرفة الذات والآخر. التيه كتحرّر من المركزية (الوطن/الأصل/الوجهة)، لصالح الانفتاح على اللانهائي. ثم التيه في البعد الأنطولوجي حين يؤكد النص أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا في مواجهة المجهول، وأن العدسات، مهما بلغت دقتها، تعجز عن التقاط التحولات الداخلية التي يولّدها السفر.
“تيه المرايا وسفر الظلال” الصادر حديثا عن دار خطوط وظلال الأردنية ليس كتاب رحلات بل كتاب عن رؤية جديدة حول الميتا رحلة، عن كيف ننظر إلى العالم وإلى أنفسنا حين نتحرر من عدسات التوثيق ونترك للصدفة والتيه أن يصنعا معنى أعمق. نص يفتح أفقًا جديدًا في الكتابة العربية، حيث تتداخل الأجناس (السيرة، الشعر، الفلسفة) لبناء تجربة تأملية تكشف أن أجمل







