شهدت منطقة مصب وادي درعة شمال مدينة طانطان إسدال الستار على فعاليات تمرين “الأسد الإفريقي 2026”، في نسخة وُصفت بالأكثر تطوراً من حيث حجم القوات المشاركة وطبيعة التقنيات العسكرية المستخدمة، ما يعكس المستوى المتقدم الذي بلغته الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في المجالين الدفاعي والأمني.
المناورات العسكرية المشتركة، التي جرت تحت التعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة عملياتية واستخباراتية متقدمة لتطوير قابلية العمل المشترك بين القوات المغربية والأمريكية، وتعزيز الجاهزية في مواجهة التهديدات الإقليمية المتنامية، وعلى رأسها الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والتهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة بمنطقة الساحل والصحراء.
وشهدت المناورات الختامية مشاركة وحدات برية وجوية من القوات المسلحة الملكية والقوات الأمريكية، بحضور الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق جيش داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، في رسالة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي بات يحتلها المغرب ضمن الرؤية الأمريكية للأمن والاستقرار في إفريقيا.
واعتمدت نسخة هذه السنة على سيناريوهات قتالية متعددة المجالات، شملت عمليات “الدفاع في العمق” و”الهجوم في العمق” و”الهجوم المضاد”، مع إدماج واسع للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية الحديثة وأنظمة القيادة والتحكم والطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحة الدرونات، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي تعرفه العقيدة العسكرية الحديثة، خاصة في مواجهة الحروب غير التقليدية.
وخلال سيناريو “الدفاع في العمق”، نفذت القوات المشاركة عمليات ميدانية معقدة لإبطاء تقدم العدو المفترض، عبر استعمال المدفعية الثقيلة والدعم الجوي، حيث قامت القاذفة الاستراتيجية الأمريكية “B-52” بطلعات عملياتية مدعومة بمقاتلات “F-16” التابعة للقوات الملكية الجوية، في مشهد عكس حجم التنسيق العملياتي بين الجانبين المغربي والأمريكي.
أما في سيناريو “الهجوم في العمق”، فقد تم تنفيذ عمليات هجومية متقدمة استُخدمت خلالها روبوتات قتالية وأنظمة نيران متزامنة متعددة المجالات، إلى جانب تدخلات للقوات الخاصة الأمريكية باستعمال مركبات دعم ناري غير مأهولة وأنظمة دخانية متطورة عبر الطائرات المسيّرة، ما أتاح اختبار قدرات ميدانية جديدة مرتبطة بحروب المستقبل.
غير أن الحدث الأبرز الذي طبع اختتام “الأسد الإفريقي 2026” تمثل في تسليم الدفعة الثانية من مروحيات “AH-64 Apache” الهجومية إلى القوات المسلحة الملكية، والمتكونة من سبع مروحيات قتالية حديثة، وذلك بعد أشهر قليلة من تسلم المغرب الدفعة الأولى التي تم دمجها مباشرة ضمن مناورات هذه السنة.
ويُنظر إلى دخول مروحيات الأباتشي إلى الخدمة داخل القوات الملكية الجوية باعتباره نقلة نوعية في القدرات الهجومية والدفاعية للمغرب، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية، بالنظر إلى ما توفره هذه المروحيات من إمكانيات عالية في الرصد والاستهداف الليلي والدعم الجوي القريب والقدرة على التدخل السريع في البيئات الصحراوية المعقدة.
وتتميز مروحيات “Apache AH-64” بقدرات قتالية متطورة تجعلها من بين أقوى المروحيات الهجومية في العالم، حيث تتوفر على أنظمة استشعار ورادارات دقيقة وصواريخ موجهة عالية الدقة، إضافة إلى قدرتها على العمل في مختلف الظروف المناخية والقيام بمهام مكافحة الإرهاب والاستطلاع المسلح وحماية الوحدات البرية.
ويرى متابعون للشأن العسكري أن نشر هذه المروحيات بالأقاليم الجنوبية يعزز بشكل كبير منظومة الردع المغربية في مواجهة التهديدات الأمنية المحتملة بمنطقة الساحل والصحراء، خاصة في ظل تنامي نشاط الجماعات الإرهابية العابرة للحدود واعتمادها المتزايد على الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة.
كما يمنح هذا التطور القوات المسلحة الملكية قدرة أكبر على مراقبة المساحات الصحراوية الشاسعة والتدخل السريع ضد أي تحركات مشبوهة، سواء تعلق الأمر بتهريب الأسلحة أو تسلل الجماعات المتطرفة أو حماية الحدود الجنوبية للمملكة.
وفي هذا السياق، أكد النقيب عدنان ماء العينين، من سربة مروحيات “أباتشي”، أن مشاركة هذه المروحيات لأول مرة في تمرين “الأسد الإفريقي” مكنت الأطقم المغربية من العمل في بيئة متعددة الجنسيات وتبادل الخبرات مع القوات الجوية الأمريكية، خصوصاً في مجالات التنسيق الجوي والدعم العملياتي والاشتغال وفق المعايير القتالية الحديثة.
من جهته، شدد قائد “أفريكوم”، الفريق جيش داغفين أندرسون، على أن تمرين “الأسد الإفريقي” أصبح رمزاً للشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين الرباط وواشنطن، مؤكداً أن المغرب يضطلع بدور محوري في تعزيز الأمن والاستقرار بالقارة الإفريقية.
كما أبرز المسؤول العسكري الأمريكي أن المناورات لم تعد تقتصر فقط على الجانب القتالي، بل تشمل أيضاً أبعاداً إنسانية وتنموية، من خلال تنظيم مستشفيات ميدانية وحملات طبية لفائدة الساكنة المحلية، خاصة بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
بدوره، أوضح العميد رضا شعايب، من القوات المسلحة الملكية، أن نسخة 2026 شكلت محطة متقدمة في مسار تطوير التعاون العسكري الدولي للمغرب، بفضل التركيز على الابتكار التكنولوجي والدفاع السيبراني والطائرات بدون طيار، بما يسمح برفع جاهزية القوات المشاركة لمواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.
ويؤكد خبراء عسكريون أن استمرار تنظيم مناورات “الأسد الإفريقي” بهذا الحجم يعكس الثقة المتزايدة التي تحظى بها المؤسسة العسكرية المغربية لدى شركائها الدوليين، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما يكرس موقع المغرب كفاعل محوري في معادلة الأمن الإقليمي بإفريقيا ومنطقة الساحل.
كما تشكل هذه المناورات فرصة مهمة لتبادل الخبرات العسكرية والتكنولوجية وتطوير القدرات العملياتية للقوات المسلحة الملكية، في وقت تعرف فيه المنطقة تحولات أمنية متسارعة تفرض تعزيز الجاهزية والتنسيق بين الحلفاء لمواجهة مختلف التهديدات التقليدية وغير التقليدية.






