تجربة شعرية قائمة على جدلية الألم والأمل، إذ يتحول الصوت الشعري فيه إلى مساحة للبوح وكشف التصدعات الداخلية للذات الإنسانية، ومن أهم الرموز التي تتكرر داخل الديوان “الصرخة”، كرمز فلسفي ونفسي عميق يعكس حالة الإنسان حين يشعر بالاختناق أمام واقع قاسٍ وعاجز عن تحقيق أحلامه، تتجاوز معناها اللغوي لتصبح فعل مقاومة ضد الصمت، ومحاولة لإثبات الوجود وسط عالم يزداد اغترابًا ووحشة، إذ إن الشاعرة تجعل من الصرخة معادلًا للوجود الإنساني المأزوم، وهو ما يذكرنا بفلسفة الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد الذي رأى أن القلق جزء جوهري من تجربة الإنسان، وأن الذات الحقيقية تتشكل في لحظات الألم والاختيار والمعاناة، فالإنسان عند كيركغارد يعيش دائمًا بين الممكن والمستحيل، بين ما يرغب فيه وما يستطيع تحقيقه، وهذا ما نجده واضحًا في عنوان الديوان نفسه؛ إذ تقف الذات الشعرية “على مرافئ التمني” دون أن تبلغها، وكأنها معلقة بين الحلم والانكسار،
كما يمكن قراءة “الصرخة” في ضوء فلسفة فريدريك نيتشه الذي اعتبر أن المعاناة وسيلة لاكتشاف الذات وإعادة خلقها، فالذات الشاعرة، رغم نزيفها الداخلي، لا تصمت ولا تستسلم، وهي تحوّل وجعها إلى شعر، وكأنها تؤمن بما قاله نيتشه: “لا بد من أن تحمل فوضى في داخلك لتلد نجمة راقصة”. فالألم في الديوان طاقة خلاقة تنتج القصيدة نفسها، ولذلك تقول الشاعرة: «أنا القصيدة»، فيصبح الشعر ولادة جديدة للذات وسط الركام النفسي.
وتتقاطع رمزية الصرخة أيضًا مع أفكار جان بول سارتر الذي رأى أن الإنسان محكوم بالحرية، لكنه يعيش قلقًا دائمًا لأنه مسؤول عن مصيره في عالم عبثي، فالذات في الديوان تبدو وحيدة في مواجهة الصمت والخذلان، وتحاول أن تصنع معنى لوجودها عبر اللغة والبوح، لذلك تتحول الكتابة إلى فعل وجودي، وتصبح القصيدة محاولة للنجاة من العدم. إن قول الشاعرة: «أطرز وجعي بأنامل الحرف» يعكس هذا البعد الوجودي؛ فاللغة هنا وسيلة لمقاومة الفراغ الداخلي.
ومن زاوية أخرى، يمكن ربط “الصرخة” بفلسفة ألبير كامو الذي تحدث عن عبثية الحياة وصراع الإنسان من أجل المعنى. فالشاعرة تصرخ في فضاء يبدو صامتًا وغير قادر على الاستجابة، لكنها مع ذلك تستمر في الصراخ، تمامًا كما يرى كامو أن الإنسان الحقيقي هو الذي يواصل المقاومة رغم إدراكه لعبث الواقع، إن الصرخة في الديوان فعل تحدٍّ ضد الصمت والعدم.
كما تحضر في النصوص ملامح اغتراب واضحة تذكّر بفلسفة مارتن هايدغر الذي تحدث عن شعور الإنسان بالقلق والوحدة داخل العالم، فالذات الشعرية تبدو منفية داخل ذاتها، محاطة بـ«موانئ الخرس» و«صمت المدى»، وهي صور تعكس انقطاع التواصل بين الإنسان والعالم، لكن هذا الاغتراب لا يؤدي إلى الموت الروحي، فقد يدفع الشاعرة إلى البحث عن معنى آخر عبر الحلم والتمني.
وتحمل “مرافئ التمني” بدورها رمزًا فلسفيًا وإنسانيًا بالغ العمق، فضاءً متخيّلًا تسكنه الرغبات المؤجلة والأحلام المستحيلة، وهنا نستحضر تصور غاستون باشلار الذي رأى أن الخيال الشعري يخلق أمكنة نفسية يعيش فيها الإنسان هروبه وأحلامه، فالمرافئ في الديوان أمكنة روحية تبحث فيها الذات عن الطمأنينة والخلاص.
إن القراءة الفلسفية للديوان تكشف أن الشاعرة تكتب عن تجربة إنسانية عامة يعيشها كل فرد حين يصطدم الواقع بأحلامه، فالصرخة تتحول إلى رمز للإنسان المعاصر الذي يشعر بالوحدة والاختناق، لكنه مع ذلك يواصل الحلم والبحث عن أفق جديد، ولذلك يبدو الديوان رحلة داخل النفس الإنسانية بكل تناقضاتها، حيث يتجاور الانكسار مع الأمل، والصمت مع البوح، واليأس مع الرغبة المستمرة في النجاة.
ومن هنا يمكن القول إن القيمة الجمالية والفكرية للديوان تكمن في قدرته على تحويل الألم الفردي إلى سؤال إنساني وفلسفي شامل، وفي جعل الشعر مساحة للتأمل في معنى الوجود والمعاناة والحلم، فالصرخات في الديوان دليل انهيار فقط، هي أيضًا إعلان عن استمرار الحياة داخل الذات رغم كل ما يحيط بها من انكسارات







