بعد مخلفات الفيضانات وآثارها على البنيات والمجتمع، عاد الموضوع الرئيسي للتداول، ألا وهو “شبح العطش”. وجاء هذه المرة من تقرير دولي حول ما أسماه “الإفلاس المائي” بالمغرب. الحديث عن الإفلاس خطير للغاية ينبغي أن يطير النوم من عيون الحكومة، التي ترى فقط بعين المصلحة، وأساسا مصلحة “تجمع المصالح الكبرى”.
التقرير حذر من وضعية مقلقة للماء بالمغرب، وصفها بـ”الإفلاس المائي”، والإفلاس كما هو معروف يتطلب إقلاعا جديدا، فهو أكثر من الخسارة، ولا يمكن النهوض من الإفلاس إلا بوضع خطة جديدة ومشروع جديد وبإرادة جديدة، وإلا سنبقى “نخوي الماء في الرمل”، وفي أحسن الأحوال نتركه يذهب إلى البحر دون استغلاله.
مشكلة المغرب أنه يعيش بين أمرين أحلاهما مر، عندما تأتي الفيضانات تدمر الأخضر واليابس وعندما يأتي الجفاف يصاب الناس بالعطش. والأمر كله عائد إلى التدبير أساسا، ولا يمكن ربطه بالتقلبات المناخية وشح التساقطات مثلا.
التقرير لم ينف أن ندرة التساقطات لها دور في “الإفلاس المائي”، ولكن اعتبر أن الأساس في هذا الإفلاس هو “الجفاف البشري المنشأ”. قال تعالى في محكم كتابه العزيز “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”. أسند الله تعالى ظهور الفساد إلى الإنسان، حتى لا يعلق فشله والمصائب التي يقع فيها على الغيب وعلى الله تعالى كما تفعل “القدرية”.
المسؤولية البشرية في “الإفلاس المائي” ثابتة ولا يمكن بأي حال من الأحوال غض الطرف عنها، والحديث فقط عن توالي سنوات الجفاف هو تعليق المشاكل والفشل على مشجب غير حقيقي.
“الإفلاس المائي” ناتج عن ثلاثة أمور، كما نراها، وقد تكون أمور أخرى متداخلة، ودائما الحكومة تذهب إلى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، وهي السبب الأول في هذه المعضلة، وتتعلق بسوء الاستهلاك اليومي من قبل المواطنين، حيث تضيع كميات مهمة من الماء يمكن الحفاظ عليها.
السبب الثاني يتعلق بسوء تدبير التساقطات، التي يضيع أغلبها، ويصب في البحر بدل تجميعه والاستفادة منه، وهذا الأمر مرتبط بالتدبير السيء للسدود، التي تعاني في أغلبها من الوحل المتراكم دون معالجة، مما يؤثر على كميات المياه التي يتم استيعابها، والتي لا تتجاوز أحيانا 40 في المائة، بمعنى أن السد في طريق فقدان الصلاحية.
أما السبب الثالث، وهو ثالثة الأتافي كما يقال، فهو الاستعمال المفرط للمياه في زراعات غير تنافسية بالنسبة للمغرب، إذ تنبث وتنمو وتكبر في دول أخرى بشكل عشوائي، بينما تستهلك في المغرب ملايين الميترات المكعبة من المياه، وبالتالي يتم إجهاد المخزون المائي للمغرب وصل حد استنزاف الفرشة المائية عن طريق زراعات تحتاج كثيرا من الماء كي تنتج ثمارها.
ودون تعليق “حجام” الفقراء بعد سقوط “الصومعة”. “الإفلاس المائي” قضية وطنية ينبغي فتح نقاش حولها ومعالجتها بجدية.







