الصحافة في وضع لا يسر عدوا ولا صديقا، وهي الآن بين أيدي البرلمانيين، وهم من يقرر في مصيرها، ولهم أن يلعبوا اليوم دورا تاريخيا في إنقاذ القطاع بعد أن دخل مرحلة صعبة، وبعد أن ركبت الحكومة ومعها الوزارة الوصية على القطاع رأسها لإخراج قانون أقل ما يقال عنه أنه يسعى لدفنها بشكل نهائي.
لقد شرعت لجنة الثقافة والتعليم والاتصال أمس الثلاثاء في عرض والتصويت على التعديلات، التي تقدمت بها الفرق البرلمانية، ولحدود كتابة هذه الافتتاحية تقدمت فقط فرق والمجموعة البرلمانية للمعارضة بتعديلات، بعدما كانت المحكمة الدستورية قد رفضت المشروع الذي صادق عليه مجلس المستشارين ورفضت ستة نقط منه وطالبت بإعادة تركيبه في هندسته الكلية.
والأدهى والأمر أن المشروع الجديد الذي تتم مناقشته حاليا لم يأت منسجما مع مقررات المحكمة الدستورية، ولم يراع ملاحظاتها بل جاء مخالفا لمقتضياتها، ويكفي مثال واحد، فقد قالت المحكمة الدستورية إن تمثيلية المهنيين غير دستورية لأنها اعتمدت رقم المعاملات كما لم يأت العدد متكافئا مع الصحفيين، فقامت الوزارة وبطريقة التفاف غير مفهومة، بتخفيض العدد من تسعة إلى سبعة ليصبح مساويا لعدد الصحفيين، لكن أبقت على رقم المعاملات بينما المحكمة الدستورية اعتبرت كل مؤسسة تمتلك صوتا وفقا للدستور.
ولهذا فإن أعضاء مجلس النواب يتحملون مسؤولية كبيرة اليوم في حماية حرية الصحافة واستقلالية مؤسسة التنظيم الذاتي، فدراسة النص والتعديلات والتصويت عليه مسؤولية البرلمان، الذي يعيش اليوم دورته الأخيرة، فهل يختم البرلمانيون ولايتهم التشريعية بالوقوف في وجه هذا القانون “الكارثي” أم يتركونه يمر؟
إذا ترك البرلمانيون هذا القانون يمر فإنهم يكونون قد ضيعوا فرصة تاريخية للتعبير عن استقلالية المؤسسة التشريعية عن المؤسسة التنفيذية، ويكونون قد حافظوا على المستوى الذي قاموا به بعد المصادقة على المشروع في مجلس المستشارين حيث اعترضوا عليه من خلال الشكاية التي تقدموا بها إلى المحكمة الدستورية، والتي أصبحت تاريخية.
المشروع المعروض، بوصف الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، مشروع قانون “كارثي”، لقي معارضة واسعة من طرف منظمات مهنية للصحفيين والناشرين، إلى جانب جمعيات حقوقية وهيئات سياسية ونقابية.
فالمشروع الحالي، الذي يراد له أن يمر بأية طريقة، جاء في سياق مطبوع بغياب الحوار الحقيقي مع الفاعلين المهنيين، حيث اختارت الوزارة نهج الانفراد بالقرار بدل فتح نقاش تشاركي حول مستقبل القطاع وتنظيمه.
فقرار المحكمة الدستورية بإسقاط عدد من مواد المشروع الحكومي شكل مؤشرا واضحا على وجود اختلالات قانونية ودستورية، لكن استمرار الحكومة في الدفاع عن النص الحالي يزيد من تعقيد الوضع داخل القطاع. ويجب أن يبقى التنظيم الذاتي مستقلا عن أي وصاية حكومية، وأن يضم مهنيين من الصحفيين والناشرين يتم اختيارهم عبر انتخابات حرة من طرف زملائهم، وليس من خلال التعيين.
فهل سنرى انتفاضة تاريخية للبرلمانيين في وجه الحكومة؟




