
يفتح جلالة الملك محمد السادس غدا البرلمان، مع افتتاح السنة التشريعية الجديدة، في مرحلة سياسية ومؤسساتية جديدة، تتقاطع فيها مقتضيات الدستور مع انتظارات المجتمع وتحديات التنمية، في سياق يفرض على المؤسسة التشريعية الارتقاء بأدوارها في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. ويكتسي افتتاح الدورة التشريعية أهمية دستورية خاصة، باعتبار أن الفصل 65 ينص على افتتاح الملك للدورة التشريعية في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، بينما يؤكد الفصل 68 أن البرلمان يعقد جلسة مشتركة للاستماع إلى الخطب الملكية الموجهة إليه.
ولا ينظر إلى الخطاب الملكي أمام البرلمان باعتباره مناسبة بروتوكولية، بل باعتباره محطة لتحديد عدد من الأولويات الكبرى التي يتعين على المؤسسات تحويلها إلى برامج وتشريعات وسياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس. فالخطاب الملكي الأخير شدد على مسؤولية البرلمان، أغلبية ومعارضة، في مواكبة الأوراش الوطنية، وعلى ضرورة التعبئة والعمل المشترك وتغليب المصلحة العليا للوطن والمواطنين.
ويضع هذا التوجيه المؤسسة البرلمانية أمام مسؤولية تتجاوز المصادقة على مشاريع القوانين إلى ممارسة أدوارها الدستورية كاملة، خصوصا في مجال مراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية. فالمطلوب اليوم هو أن تتحول الأسئلة البرلمانية والنقاشات داخل اللجان والجلسات العامة إلى آلية حقيقية لتقييم أثر البرامج الحكومية على الحياة اليومية للمواطنين، وعلى مستوى الخدمات العمومية وفرص الشغل والاستثمار وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، كما أن المرحلة المقبلة تفرض على البرلمان تعزيز جودة التشريع، بما يضمن مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب. فالقانون لم يعد مجرد إطار تنظيمي، وإنما أصبح أداة لتوجيه التنمية وتحسين مناخ الأعمال وحماية الحقوق وتعزيز الثقة في المؤسسات.
و يكتسب البعد المجالي أهمية متزايدة، خاصة في ظل الدعوة إلى إطلاق جيل جديد من المبادرات التنموية، وتسريع البرامج الموجهة إلى المجالات الترابية، وتقليص الفوارق بين الجهات والمناطق، مع إيلاء اهتمام خاص بالعالم القروي وبالخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن أينما كان. وقد أبرز الخطاب الملكي أهمية توسيع نطاق المراكز القروية باعتبارها فضاءات قادرة على مواكبة التوسع الحضري وتقريب الخدمات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية من السكان.
ومن هنا، فإن البرلمان مطالب بأن يجعل من العدالة المجالية والاجتماعية أحد محاور عمله، من خلال التشريع والمراقبة والتقييم، وليس فقط من خلال النقاش السياسي. كما أن الحكومة مطالبة بدورها بتقديم حصيلة واضحة وقابلة للقياس حول نتائج السياسات العمومية، بما يسمح للبرلمان والرأي العام بتقييم مدى تحقيق الأهداف المعلنة.
و تكمن أهمية افتتاح البرلمان في كونه لحظة دستورية تؤكد موقع المؤسسة التشريعية داخل منظومة دولة المؤسسات، وتعيد التذكير بأن العمل البرلماني يقوم على التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، في إطار التعاون والتوازن بين السلط. ويظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من النصوص والتوجيهات إلى ممارسة مؤسساتية أكثر فعالية وارتباطا بانشغالات المواطنين.
و يمنح الخطاب الملكي ملامح عامة لخارطة الطريق، لكن تنزيلها يظل مسؤولية المؤسسات المنتخبة والحكومة والأحزاب السياسية، كل من موقعه الدستوري. وهو ما يفرض رفع مستوى الأداء البرلماني، وتطوير أدوات التقييم والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الحضور الفعلي للبرلمان في النقاش العمومي.
كما أن الدبلوماسية البرلمانية والحزبية تظل مكونا مهما في المرحلة المقبلة، خصوصا في ظل التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية والمكانة التي باتت تحظى بها المملكة في محيطها الإفريقي والدولي. وقد دعا الملك إلى مزيد من الاجتهاد والفعالية في هذا المجال، مع تعزيز التكامل والتعاون مع الدبلوماسية الرسمية.
و تدخل المؤسسة التشريعية مرحلة جديدة، فالرهان الأساسي يتمثل في استعادة الثقة عبر النتائج. فالمواطن لا يقيس أداء البرلمان بعدد القوانين المصادق عليها فقط، وإنما بمدى انعكاس التشريع والمراقبة على حياته اليومية، وعلى جودة المدرسة والمستشفى والإدارة والنقل وفرص العمل والاستثمار.
ويشكل افتتاح البرلمان ليس فقط بداية دورة تشريعية جديدة، بل لحظة لتحديد مستوى جديد من المسؤولية السياسية والمؤسساتية. وإذا كان الدستور يؤطر الاختصاصات، والخطاب الملكي يرسم الأولويات الكبرى، فإن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة الحكومة والبرلمان، أغلبية ومعارضة، على تحويل هذه التوجيهات إلى سياسات عمومية ناجعة، وتشريعات متقدمة، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف ربوع المملكة.



