
كشف تقرير رسمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تراجع معدل التضخم خلال سنة 2025 إلى 0.8 في المائة لم ينعكس على المستوى العام للأسعار، التي ظلت أعلى بأكثر من 15 في المائة مقارنة بسنة 2021، وهي الفترة التي تزامنت مع تولي حكومة عزيز أخنوش مسؤولية تدبير الشأن العام. ويؤكد التقرير أن المغاربة، ورغم انحسار وتيرة ارتفاع الأسعار، ما زالوا يواجهون مستويات معيشية أكثر كلفة مما كانت عليه قبل خمس سنوات، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية.
وأبرز التقرير السنوي للمجلس أن أسعار المواد الغذائية سجلت الارتفاع الأكبر، بعدما قفزت بنحو 27 في المائة مقارنة بسنة 2021، وهو ما جعل الأسر المغربية تتحمل أعباء إضافية في الإنفاق اليومي، خاصة على المواد الأساسية. ويعكس ذلك أن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، وإنما يشير فقط إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها، بينما تبقى المستويات التي بلغتها مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويرى المجلس أن الارتفاع التراكمي للأسعار خلال السنوات الخمس الماضية استنزف القدرة الشرائية للمواطنين، رغم مختلف الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من انعكاساته. كما دعا إلى تعزيز فعالية آليات دعم القدرة الشرائية، وتسريع إصلاح مسالك التوزيع والتسويق، والحد من أوضاع الريع، وتشديد مكافحة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، مع إحكام مراقبة استخدام الدعم العمومي حتى يصل أثره الحقيقي إلى الفئات المستهدفة.
ويأتي هذا التقييم الرسمي في سياق استمرار النقاش العمومي حول غلاء المعيشة، بعدما شهدت الأسواق الوطنية خلال السنوات الأخيرة تقلبات متواصلة في أسعار عدد من المواد الاستهلاكية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ميزانية الأسر، رغم تسجيل وفرة في بعض المنتجات خلال فترات متفرقة.
وفي الجانب الاقتصادي، أشار التقرير إلى أن سوق الشغل ما يزال يعاني اختلالات هيكلية، إذ انخفض معدل البطالة بشكل طفيف ليستقر عند 13 في المائة، غير أن هذا التحسن يبقى محدوداً بالنظر إلى استمرار ارتفاع بطالة الشباب والنساء وحاملي الشهادات، فضلاً عن طول مدة البحث عن العمل التي بلغت في المتوسط حوالي 33 شهراً.
كما سجل المجلس أن جودة مناصب الشغل ما تزال تشكل تحدياً كبيراً، إذ إن حوالي 46 في المائة من الأجراء لا يتوفرون على عقود عمل مكتوبة، بينما تظل نسبة مهمة من الوظائف منخفضة التأهيل، وهو ما يحد من الاستقرار المهني ويؤثر على الإنتاجية ومستويات الدخل.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد الوطني، رغم ما حققه من تقدم في مجالات الاستثمار والتصنيع، لم ينجح بعد في تحويل هذا النمو إلى فرص شغل كافية، بسبب توسع الأنشطة كثيفة رأس المال وضعف اندماج المقاولات المحلية في سلاسل الإنتاج، الأمر الذي يقلص من الآثار الإيجابية للنمو على التشغيل وعلى الدورة الاقتصادية الوطنية.
وسجل المجلس أيضاً استمرار الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغيرة جداً والصغرى ومتناهية الصغر، سواء من حيث آجال الأداء أو الولوج إلى الصفقات العمومية والعقار أو التعقيدات الجبائية، إلى جانب استمرار نشاط القطاع غير المنظم الذي يساهم بحوالي 13.6 في المائة من القيمة المضافة غير الفلاحية، وهو ما يحد من تنافسية الاقتصاد الوطني ويؤثر على خلق الثروة وفرص الشغل.
وفي الجانب الترابي، أكد التقرير أن النشاط الاقتصادي ما يزال متركزاً في عدد محدود من الجهات، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على حوالي 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو ما يعكس استمرار الفوارق المجالية في توزيع الثروة والاستثمار وفرص التنمية.
ويخلص التقرير إلى أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الخمس الماضية لا تقتصر على التحكم في معدل التضخم، بل تمتد إلى معالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى ارتفاع الأسعار واستمرار الضغط على القدرة الشرائية. كما شدد على أن تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً يمر عبر إصلاح منظومة التوزيع، وتعزيز المنافسة، ودعم المقاولات الوطنية، وتوسيع فرص التشغيل، بما يضمن توزيعاً أكثر عدلاً لثمار التنمية ويخفف من الأعباء التي ما تزال تثقل كاهل الأسر المغربية.



