اعداد: طارق ضرار
في سنة 728 للهجرة/1327 للميلاد، نقش عالم فلك مغربي اسمه على ظهر أسطرلاب صنعه بيديه، ودوّن عبارة دعائية بسيطة تختصر روح العصر: “علي بن إبراهيم الحرّار مؤذن تازة حفظه الله عام 728هـ”. ذلك العالم هو علي بن إبراهيم الحرار التازي، أحد الأسماء التي تعكس ازدهار العلوم الدقيقة في المغرب خلال العصر المريني، حين تداخلت المعرفة الدينية بالفلكية، وارتبطت وظيفة المؤذن بحسابات السماء وضبط المواقيت.
يحفظ اليوم متحف تاريخ العلوم في مدينة أكسفورد أسطرلاباً مغربياً نادراً من صنع الحرّار، يعود إلى سنة 1327م. وجود هذه القطعة في واحدة من أعرق مؤسسات حفظ التراث العلمي في أوروبا ليس مجرد تفصيل متحفي، بل شاهد على مكانة الصناعة الفلكية المغربية في القرن الثامن الهجري، وعلى القيمة التقنية والجمالية التي بلغتها آنذاك.
بين الأذان وحساب الأفلاك
ولد علي بن إبراهيم الحرّار في مدينة تازة، التي كانت خلال العصر المريني مركزاً علمياً مهماً بفضل موقعها الاستراتيجي بين فاس وشرق المغرب. لا تتوفر معطيات كثيرة عن تفاصيل حياته الخاصة، لكن لقبه “الحرّار” ونسبته إلى تازة، إضافة إلى صفته كمؤذن بالمسجد الأعظم، تكشف عن مسار علمي وعملي متداخل.
في ذلك العصر، لم يكن المؤذن مجرد رافع للأذان، بل كان في كثير من الأحيان عالماً بالمواقيت، متقناً لعلم الهيئة والحساب، قادراً على تحديد أوقات الصلاة بدقة اعتماداً على حركة الشمس والنجوم. ومن هنا نفهم كيف ارتبط اسم الحرّار بصناعة الأسطرلاب، الآلة الفلكية التي كانت أداة مركزية في حساب الزمن والقبلة وارتفاع الكواكب.
كان الأسطرلاب جهازاً معقداً نسبياً، يتكون من صفيحة رئيسية (الأم)، وصفائح داخلية تمثل إسقاطات فلكية لمناطق عرض مختلفة، إضافة إلى عضادات ومؤشرات دقيقة. وصناعته تتطلب معرفة رياضية وفلكية دقيقة، فضلاً عن مهارة حرفية عالية في النقش على النحاس أو الصفر. أن ينقش الحرّار اسمه بوضوح على ظهر آلته يدل على اعتزاز بالعمل، وعلى وعي بقيمة الإنتاج العلمي الفردي.
النقش الذي خلّده – “علي بن إبراهيم الحرار مؤذن تازة حفظه الله عام 728هـ” – يجمع بين التعريف العلمي والوظيفي والدعاء، في صيغة تعكس ثقافة علمية مشبعة بالروح الدينية. فهو لا يفصل بين المعرفة والعبادة، بل يجعلهما في سياق واحد، حيث يصبح ضبط الوقت عبادة، وصناعة الأداة خدمة للدين والعلم معاً.
العصر المريني وازدهار صناعة الأسطرلاب
نشأ الحرّار في ظل الدولة المرينية التي حكمت المغرب بين القرنين 13 و15 الميلاديين. وقد عرفت هذه الفترة ازدهاراً ملحوظاً في مجالات الفقه والطب والفلك والرياضيات، خاصة في مدن مثل فاس وتازة ومراكش. وكانت المدارس المرينية، مثل العطارين وبوعنانية، فضاءات لنقل المعارف وتعميق البحث العلمي.
لم يكن أسطرلاب الحرّار حالة معزولة، بل جزءاً من تقليد مغربي أوسع في صناعة الآلات الفلكية. ففي فاس، يحتفظ متحف الفنون التقليدية دار البطحاء بأسطرلاب آخر يعود إلى سنة 766هـ/1364م، مصنوع من مادة الصفر، بارتفاع 15.5 سم وقطر 12.5 سم، ومسجل ضمن لائحة التراث الوطني تحت رقم 764. يحمل هذا الأسطرلاب نقشاً يشير إلى صانعه: “صنعه محمد بن عمر بن جعفر الكرماني سنة ذصو الهجرية”، حيث توافق “ذصو” بحساب الجمل سنة 766هـ.
هذا التعدد في الأسماء والقطع يؤكد أن صناعة الأسطرلاب في المغرب المريني لم تكن استثناءً، بل تقليداً علمياً قائماً بذاته، يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. وكان الصناع-العلماء، مثل الحرّار، يشكلون حلقة وصل بين التعليم الديني والحساب الفلكي والحرفة المعدنية.
إرث علمي يتجاوز الزمن
تكمن أهمية علي بن إبراهيم الحرّار في كونه نموذجاً للعالم الحرفي الذي يجسد روح الحضارة الإسلامية في أوجها: معرفة دقيقة، وحرفة متقنة، وإحساس برسالة العلم. أسطرلابه ليس مجرد قطعة معدنية، بل وثيقة حضارية تشهد على مستوى من التطور العلمي في المغرب خلال القرن الثامن الهجري.
وجود أسطرلابه اليوم في أكسفورد يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول مسارات انتقال التراث العلمي الإسلامي إلى أوروبا، وكيف أصبحت هذه القطع جسوراً غير مرئية بين حضارات المتوسط. فالأسطرلاب نفسه كان أداة مركزية في الملاحة الأوروبية لاحقاً، واستفادت منه مدارس الفلك في الأندلس وإيطاليا.
ورغم أن المصادر لا تسعفنا بسيرة مفصلة عن حياة الحرّار، فإن الأثر الذي تركه يكفي لرسم ملامح شخصيته: عالم منخرط في مجتمعه، يمارس وظيفة دينية ويبدع في صناعة علمية، ويترك اسمه منقوشاً بثقة على عمله. في عبارة قصيرة محفورة على النحاس، اختصر مسار حياة كاملة.
إن استعادة سيرة علي بن إبراهيم الحرّار التازي اليوم ليست مجرد احتفاء باسم من الماضي، بل تذكير بجذور تقليد علمي مغربي عريق، وبأهمية إعادة قراءة تاريخ العلوم في المغرب باعتباره جزءاً أصيلاً من التاريخ العلمي العالمي. ففي زمن تتجدد فيه الدعوة إلى إحياء الاهتمام بالعلوم، تبدو سيرة الحرّار شاهداً على أن هذا الاهتمام كان يوماً جزءاً طبيعياً من نسيج المجتمع، وأن المغرب كان مساهماً فاعلاً في بناء معرفة إنسانية مشتركة.





