
برز المغرب ضمن الدول التي تفرض أعباء مرتفعة على أصحاب العمل، بعدما احتل المرتبة 15 عالميا في «المؤشر العالمي لعبء أصحاب العمل 2026»، الصادر عن منصة «إمبلوي بوردرلِس» المتخصصة في التوظيف والاستشارات المرتبطة بسوق الشغل. وحصلت المملكة على 75 نقطة من أصل 100 في مؤشر يقيس تكلفة وصرامة تشغيل اليد العاملة، ضمن تصنيف شمل 192 دولة وإقليما حول العالم.
وتضع هذه النتيجة المغرب في النصف الأعلى من الدول من حيث ثقل الالتزامات التي يتحملها صاحب العمل، سواء تعلق الأمر بالاشتراكات الاجتماعية أو بالتكاليف المرتبطة بإنهاء علاقة الشغل أو بآجال الإشعار المسبق. ويكشف المؤشر بذلك عن جانب مهم من كلفة الاستثمار والتشغيل، لا يتعلق فقط بمستوى الأجور، وإنما أيضا بالأعباء القانونية والمالية التي ترافق كل عملية توظيف.
وبحسب معطيات التقرير، فإن تشغيل موظف في المغرب براتب سنوي يصل إلى 50 ألف دولار لا يكلف الشركة هذا المبلغ فقط، بل يرفع التكلفة الفعلية إلى حوالي 60 ألف دولار بعد احتساب الاشتراكات الإلزامية التي يتحملها صاحب العمل في نظام الضمان الاجتماعي. أي أن صاحب العمل يجد نفسه أمام كلفة إضافية تقارب 10 آلاف دولار سنويا بالنسبة إلى موظف واحد، قبل احتساب عدد من المصاريف الأخرى المرتبطة بالتشغيل.
وتبلغ اشتراكات الضمان الاجتماعي التي يتحملها صاحب العمل في المغرب نحو 20.1 في المائة من الأجر، وهي نسبة تجعل الكلفة الحقيقية للتوظيف أعلى من الأجر المتفق عليه مع الموظف. كما يتحمل الأجير بدوره اشتراكات اجتماعية تصل إلى 6.7 في المائة من أجره.
ولا تتوقف الأعباء عند الاشتراكات الاجتماعية، إذ يسجل التقرير أيضا تكلفة قانونية مرتبطة بإنهاء علاقة العمل. وتصل مدة التعويض القانوني عن إنهاء العلاقة الشغلية في المغرب، وفق منهجية المؤشر، إلى ما يعادل 13.4 أسبوعا من الراتب، بينما تبلغ مدة الإشعار المسبق الإلزامية حوالي 7.2 أسابيع.
وتعكس هذه المعطيات، وفق المؤشر، أن تكلفة العامل بالنسبة للمقاولة لا تقاس فقط بما يتقاضاه من راتب شهري، وإنما تشمل مجموعة من الالتزامات القانونية التي ترفع التكلفة الإجمالية للتشغيل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمقاولات التي تشغل أعدادا كبيرة من المستخدمين.
ويعتمد «المؤشر العالمي لعبء أصحاب العمل» على ثلاثة مكونات رئيسية لتحديد مستوى العبء الذي تتحمله الشركات. ويمنح المؤشر وزنا بنسبة 50 في المائة لاشتراكات الضمان الاجتماعي التي يتحملها صاحب العمل، مقابل 30 في المائة للتعويض القانوني عن إنهاء العمل، و20 في المائة لمهلة الإشعار المسبق. ويتم احتساب كل عنصر وفقا لترتيبه النسبي بين الدول المشمولة بالدراسة.
وتكشف النتائج أن المغرب، بحصوله على 75 نقطة، يوجد ضمن الاقتصادات التي ترتفع فيها كلفة تشغيل اليد العاملة من الناحيتين المالية والقانونية. كما أن عدم فرض القانون المغربي راتب شهر ثالث عشر، الذي يوجد في عدد من الدول، يخفف نسبيا من الأعباء مقارنة باقتصادات مثل الأرجنتين والبرازيل وفيتنام.
وفي مقدمة الدول الأكثر عبئا جاءت الأرجنتين بمجموع 85.9 نقطة، تليها بيلاروسيا بـ84.7 نقطة، ثم التشيك بـ82.9 نقطة، وفيتنام بـ82.6 نقطة ومصر بـ82.5 نقطة. وفي المقابل، جاءت نيوزيلندا في المرتبة الأخيرة بمجموع 4.2 نقاط فقط، متبوعة برومانيا بـ7.5 نقاط وميكرونيزيا بـ12.3 نقطة.
ويبرز التصنيف أيضا تباينا واضحا بين المناطق الاقتصادية في العالم، إذ سجلت أوروبا أعلى متوسط لعبء أصحاب العمل بـ51.7 نقطة عبر 47 دولة، بينما جاءت أوقيانوسيا في المرتبة الأقل بمتوسط لم يتجاوز 29.1 نقطة.
ومن المعطيات اللافتة التي أوردها التقرير أن 38 دولة من أصل 192 دولة مشمولة بالدراسة لا تفرض حدا أدنى قانونيا للتعويض عن إنهاء العمل، ما يجعل تكلفة إنهاء العلاقة الشغلية فيها مرتبطة أساسا بالعقد والتفاوض بين الطرفين، بدلا من الالتزام بتعويض محدد قانونا.
كما سجل المؤشر ما وصفه بـ«الاستثناء الأنجلوسكسوني»، حيث توجد غالبية الاقتصادات الناطقة بالإنجليزية في النصف الأخف من التصنيف. فالولايات المتحدة جاءت في المرتبة 158، بكلفة إجمالية تبلغ حوالي 54 ألف دولار لتشغيل موظف براتب 50 ألف دولار، فيما حلت المملكة المتحدة في المرتبة 85، وإيرلندا في المرتبة 94، وأستراليا في المرتبة 103، وكندا في المرتبة 109، بينما جاءت نيوزيلندا في المرتبة 163.
وتضع هذه النتائج المغرب أمام نقاش أوسع حول كلفة التشغيل والقدرة على خلق فرص الشغل، خصوصا بالنسبة للمقاولات والاستثمارات التي تعتمد على كثافة اليد العاملة. فكلما ارتفعت الاشتراكات الاجتماعية والتعويضات القانونية والالتزامات المرتبطة بإنهاء عقود العمل، ارتفعت الكلفة الفعلية للتوظيف، وهو ما قد يؤثر على قرارات المقاولات بشأن التوسع والتوظيف والاستثمار.
وبذلك لا تعكس المرتبة 15 عالميا بالضرورة ارتفاع الأجور في المغرب، بقدر ما تكشف عن ثقل المنظومة القانونية والاجتماعية المحيطة بالتشغيل. فالمؤشر يضع المملكة ضمن الدول التي يتحمل فيها المشغل كلفة إضافية مهمة فوق الأجر المباشر، ما يجعل تكلفة اليد العاملة، من منظور المقاولة، أعلى ماليا وقانونيا مما قد يوحي به مستوى الأجور وحده.



