أخبارسياسة

دوائر انتخابية تربك حسابات أحزاب الأغلبية

تدخل عدد من الدوائر الانتخابية في الرباط والدار البيضاء مرحلة مبكرة من الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، وسط حركية سياسية متزايدة داخل أحزاب الأغلبية، التي تجد نفسها أمام مهمة معقدة تتمثل في اختيار مرشحين قادرين على المنافسة في دوائر ذات خصوصيات انتخابية واجتماعية مختلفة.

وتبرز ضمن هذه الدوائر أحياء ومناطق ذات وزن انتخابي وسياسي، من بينها حي المحيط بالرباط، إلى جانب درب السلطان وعين الشق بالدار البيضاء، حيث بدأت ملامح المنافسة تظهر قبل فتح الاستحقاقات بشكل رسمي. وتدفع هذه المعطيات الأحزاب إلى إعادة ترتيب حساباتها والبحث عن الأسماء التي يمكن أن تمنحها أفضلية انتخابية، في ظل تنافس مرتقب على مواقع الترشح داخل التنظيمات نفسها.

ولا تبدو مهمة الأحزاب سهلة، خصوصاً مع بروز معادلة جديدة تجمع بين البحث عن الأعيان والفاعلين الذين راكموا تجربة انتخابية طويلة، وبين الرغبة في تقديم وجوه جديدة قادرة على مخاطبة الناخبين بلغة مختلفة. فالأسماء التي اعتادت خوض الانتخابات تمتلك شبكات من العلاقات والخبرة في إدارة الحملات، بينما تراهن فئات أخرى داخل الأحزاب على الكفاءات والشباب باعتبارهم رافعة لتجديد النخب السياسية.

وفي درب السلطان، مثلاً، تكتسب المنافسة حساسية خاصة بالنظر إلى الثقل التاريخي والاجتماعي للمنطقة، وهو ما يجعل اختيار المرشحين موضوعاً لا يخلو من حسابات دقيقة. أما عين الشق، فتفرض بدورها معايير مختلفة، بالنظر إلى طبيعة ساكنتها وتحولاتها العمرانية والاجتماعية، الأمر الذي يدفع الأحزاب إلى البحث عن مرشحين قادرين على فهم انتظارات الناخبين ومخاطبة شرائح متنوعة.

وفي الرباط، يظل حي المحيط من الدوائر التي تستقطب اهتمام الفاعلين السياسيين، خصوصاً مع تنامي النقاش حول طبيعة النخب التي ينبغي أن تمثل المدينة. وهنا يبرز مجدداً السؤال حول ما إذا كانت الأحزاب ستستمر في الاعتماد على الأسماء التقليدية، أم ستمنح مساحة أكبر لوجوه مهنية وجمعوية وشابة.

وتكشف الحركية الحالية عن صراع هادئ بين ثلاث مقاربات داخل عدد من الأحزاب. الأولى تراهن على الأعيان وأصحاب الحضور المحلي القادرين على تعبئة الناخبين، والثانية تفضل “محترفي الانتخابات” ممن يمتلكون تجربة ميدانية وشبكات تنظيمية، فيما تدفع الثالثة باتجاه استقطاب كفاءات جديدة وشباب لم يسبق لهم خوض المنافسة الانتخابية.

ويبدو أن أحزاب الأغلبية مطالبة هذه المرة بالتوفيق بين هذه الخيارات، خصوصاً أن الاعتماد على المرشح التقليدي لم يعد بالضرورة ضمانة للفوز، كما أن تقديم وجه جديد لا يعني تلقائياً امتلاكه القدرة على بناء حضور انتخابي في وقت قصير.

في المقابل، بدأت كفاءات مهنية وشخصيات شابة تفكر في دخول المعترك الانتخابي، مستفيدة من تنامي النقاش حول ضرورة تجديد النخب وإفساح المجال أمام أصحاب الخبرة في مجالات الاقتصاد والقانون والهندسة والمقاولة والمجتمع المدني. وترى هذه الفئات أن تدبير المدن الكبرى يحتاج إلى منتخبين يمتلكون القدرة على فهم الملفات التقنية، وليس فقط مهارات التعبئة الانتخابية.

وتضع هذه التحولات الأحزاب أمام اختبار حقيقي، لأن الناخب في المدن الكبرى أصبح أكثر ارتباطاً بقضايا ملموسة مثل النقل، والتعمير، والنظافة، والخدمات، والفضاءات الخضراء، والاستثمار المحلي، وجودة المرافق العمومية. وهي ملفات تتطلب مرشحين قادرين على تقديم تصورات وحلول، وليس الاكتفاء بالشعارات الانتخابية.

وبذلك، تتحول دوائر مثل حي المحيط بالرباط ودرب السلطان وعين الشق بالدار البيضاء إلى مختبر مبكر للصراع حول مستقبل النخب المحلية. فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط بين الأحزاب، وإنما ستبدأ من داخلها، عند اختيار الأسماء التي ستمنحها شرف خوض المعركة.

وبين الأعيان ومحترفي الانتخابات والوجوه الجديدة، يبدو أن أحزاب الأغلبية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الخبرة الانتخابية من جهة، والاستجابة لمطلب تجديد النخب من جهة أخرى. وهي معادلة قد تجعل معركة اختيار المرشحين في بعض الدوائر أكثر تعقيداً من المعركة الانتخابية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى