أخبارالمجتمع

الدبلوماسية الأمنية والاستخباراتية تتقوى مع أمريكا اللاتينية

يشكل التعاون الأمني والاستخباراتي أحد أبرز أعمدة السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى التهديدات الأمنية العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالإرهاب أو الجريمة المنظمة أو شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والمخدرات. وفي هذا السياق، يواصل المغرب تعزيز شراكاته الأمنية مع مختلف الدول الصديقة عبر رؤية استراتيجية يقودها قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بهدف بناء منظومة تعاون دولي فعالة وقادرة على مواجهة التحديات الأمنية المستجدة.

ويأتي استقبال عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، لسفير جمهورية البرازيل الاتحادية المعتمد بالمغرب، ألكسندر كيدو لوبيز بارولا، ليعكس الدينامية المتنامية التي تعرفها العلاقات المغربية البرازيلية، خاصة في شقها الأمني والاستخباراتي. فاللقاء لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل شكل محطة لتقييم حصيلة التعاون الثنائي واستشراف آفاق جديدة لتطويره بما ينسجم مع المصالح المشتركة للبلدين.

وتكتسي هذه المباحثات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها البرازيل داخل أمريكا اللاتينية، باعتبارها إحدى القوى الإقليمية الكبرى ذات التأثير السياسي والاقتصادي والأمني الواسع. كما أن انفتاح المغرب على دول أمريكا اللاتينية في المجال الأمني يعكس توجهاً استراتيجياً يروم توسيع شبكة الشراكات الدولية وعدم حصر التعاون في الفضاءين الأوروبي والإفريقي فقط، بما يتيح تبادل الخبرات والمعلومات الأمنية على نطاق أوسع.

وفي ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، أصبح التنسيق الدولي ضرورة ملحة وليس مجرد خيار سياسي. فشبكات الاتجار بالمخدرات والأسلحة وتبييض الأموال والهجرة غير الشرعية تعتمد على امتدادات جغرافية واسعة تتجاوز حدود الدول والقارات، ما يفرض بناء آليات تعاون متقدمة قائمة على تبادل المعلومات والخبرات والتنسيق العملياتي بين الأجهزة المختصة. ومن هذا المنطلق، يراهن المغرب على تعزيز حضوره كشريك أمني موثوق يحظى بمصداقية متزايدة لدى العديد من الدول والمؤسسات الدولية.

و جمع اللقاء عبد اللطيف حموشي بالسفير البرازيلي بالرباط شكل فرصة لاستعراض مختلف أوجه التعاون الأمني القائم بين البلدين، خاصة في مجالات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية. كما ناقش الجانبان سبل تطوير التعاون الثنائي من خلال وضع رؤية مشتركة تستهدف تعزيز برامج التكوين الشرطي وتبادل الخبرات والكفاءات، إلى جانب التنسيق في مواجهة شبكات الهجرة غير المشروعة والتنظيمات الإرهابية الناشطة بمنطقة الساحل والصحراء.

وتندرج هذه المباحثات في إطار مواصلة تنزيل مضامين مذكرة التفاهم التي تم توقيعها سنة 2024 بين المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني والشرطة الاتحادية البرازيلية، والتي أرست إطاراً مؤسساتياً للتعاون بين الجانبين في عدد من المجالات ذات الأولوية الأمنية. وتشمل هذه المجالات مكافحة الإرهاب والاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، والتصدي لشبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، فضلاً عن محاربة الاتجار غير القانوني بالأسلحة والذخائر، ومكافحة غسل الأموال وتزوير الوثائق والجريمة السيبرانية.

ويؤكد هذا المسار التعاوني المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها الأجهزة الأمنية المغربية على الصعيد الدولي، بفضل تراكم خبراتها ونجاحاتها في تفكيك الخلايا الإرهابية وإحباط المخططات الإجرامية، فضلاً عن مساهمتها المنتظمة في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. كما يعكس الثقة المتزايدة التي تحظى بها المؤسسات الأمنية المغربية لدى شركائها الدوليين، الذين ينظرون إلى المغرب باعتباره فاعلاً أساسياً في منظومة الأمن الجماعي.

ويرى متابعون أن تعزيز العلاقات الأمنية بين المغرب والبرازيل يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجوانب التقنية المرتبطة بالتنسيق الأمني، إذ يساهم أيضاً في توطيد العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات. كما أن هذا التقارب يعكس وعياً مشتركاً بأهمية العمل الجماعي لمواجهة التهديدات الأمنية المعاصرة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية أو الفوارق القارية.

وفي المحصلة، يواصل المغرب تكريس حضوره كفاعل أمني دولي مؤثر من خلال توسيع شبكة شراكاته الاستراتيجية وتعزيز التعاون مع مختلف الدول الصديقة، بما فيها القوى الصاعدة في أمريكا اللاتينية. ويؤكد لقاء حموشي مع سفير البرازيل أن الدبلوماسية الأمنية والاستخباراتية المغربية أصبحت أحد أبرز أدوات تعزيز الحضور الدولي للمملكة، ومكوناً أساسياً في حماية الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى