أخبارسياسة

رقابة الحسابات و تنظيم الأتعاب تعيد رسم حدود مهنة المحاماة

دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة حيز التنفيذ، في ظرفية تتسم بتصاعد النقاش المهني والقانوني بين وزارة العدل وهيئات المحامين، في ظل احتجاجات متواصلة لأصحاب البذلة السوداء، الذين يرون في عدد من مقتضيات القانون الجديد مساسا باستقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي، مقابل تأكيد التوجه الرسمي على أن المستجدات التشريعية تروم تعزيز الحكامة والشفافية وحماية حقوق المتقاضين وتحديث ممارسة المهنة.

ويأتي دخول القانون الجديد حيز التنفيذ بعد مسار طويل من النقاش والشد والجذب بين الحكومة والهيئات المهنية، لينتقل الخلاف من مرحلة مناقشة مشروع القانون إلى مرحلة جديدة عنوانها كيفية تنزيل مقتضياته على أرض الواقع. وبينما تعتبر الجهات الرسمية أن الإصلاح يستجيب لتحولات مالية ورقمية ومؤسساتية أصبحت تفرض نفسها على مختلف المهن القانونية، يتمسك المحامون بضرورة حماية الخصوصيات المرتبطة باستقلال مهنة الدفاع واستقلال مؤسساتها المهنية.

ومن أبرز ملامح القانون الجديد تشديد القواعد المرتبطة بالتدبير المالي والمحاسبي لمكاتب المحامين. فقد أصبح المحامي مطالبا بتسليم المبالغ المالية أو السندات التي يتوصل بها مقابل وصل مؤرخ وموقع، يتضمن المعطيات اللازمة، فيما تم اعتماد قواعد أكثر صرامة بخصوص أداء الأتعاب التي تتجاوز 10 آلاف درهم، حيث يتعين أن يتم الأداء بواسطة شيك أو إحدى وسائل الأداء الإلكترونية، مع ترتيب آثار قانونية على مخالفة هذه المقتضيات.

كما يفرض القانون على المحامي مسك دفتر يومي للحسابات يتضمن المداخيل والمصاريف وفق ضوابط دقيقة، دون بياض أو تشطيب أو فراغ بين السطور، على أن يكون هذا الدفتر مؤشرا عليه من طرف النقيب. ويعكس هذا المقتضى توجها نحو جعل التدبير المالي للمكاتب أكثر انتظاما وقابلية للتتبع، خصوصا في ظل تنامي متطلبات الشفافية والحكامة المالية.

غير أن أكثر المقتضيات إثارة للجدل ترتبط بمراقبة المكاتب وحسابات الودائع والأداءات. فالقانون يمنح النقيب أو من ينتدبه من أعضاء مجلس الهيئة صلاحية مراقبة مكتب المحامي للتأكد من احترام النصوص القانونية والتنظيمية ومسك الحسابات، كما يمكن أن تتم المراقبة بناء على طلب من الوكيل العام للملك المختص، مع إلزام النقيب بإشعار الوكيل العام والمحامي المعني بنتائجها.

ويرى عدد من المحامين أن هذا المقتضى يفتح الباب أمام حضور أكبر للنيابة العامة في مجال ظل مرتبطا تاريخيا بالتنظيم الذاتي للمهنة، وهو ما يجعل هذه المادة واحدة من نقاط الخلاف الأساسية بين السلطات والهيئات المهنية.

ويبرز الخلاف بصورة أكبر في ما يتعلق بحسابات ودائع وأداءات المحامين. فقد أقر القانون إحداث حساب خاص تودع فيه الأموال التي يتسلمها المحامون لفائدة موكليهم، إلى جانب الأداءات والمصاريف المرتبطة بالملفات. وفي المقابل، أخضع هذه الحسابات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بهدف التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية وتتبع عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء والأرصدة والفوائد.

وتعتبر الهيئات المهنية أن هذا المقتضى يطرح إشكالا يرتبط بطبيعة الأموال الموجودة في هذه الحسابات، باعتبار أن جزءا منها يعود إلى الموكلين ولا يشكل أموالا عمومية، فضلا عن تخوفها من أن يؤدي توسيع نطاق الرقابة إلى المساس باستقلالية المؤسسات المهنية.

في المقابل، تدافع الجهات المؤيدة للإصلاح عن ضرورة إخضاع التدبير المالي لقواعد واضحة للمراقبة، خصوصا أن حسابات الودائع ترتبط مباشرة بأموال المتقاضين، وأن ضمان سلامة هذه الأموال وحمايتها يتطلب آليات دقيقة للرقابة والتتبع.

كما نظم القانون الجديد طريقة تصفية المبالغ المودعة، من خلال الفصل بين الجزء المستحق للمحامي باعتباره أتعابا ومصاريف، وبين المبالغ التي يتعين إرجاعها إلى أصحابها. وأجاز لمجلس الهيئة اقتطاع جزء من الأتعاب المصفاة، على ألا يتجاوز هذا الاقتطاع نسبة 10 في المائة، وهو مقتضى بدوره أثار نقاشا حول حدود تدخل المشرع في الموارد المالية للهيئات المهنية.

ويكشف الجدل الدائر حول القانون رقم 66.23 عن مواجهة تتجاوز مجرد الخلاف حول مواد قانونية محددة، إذ يتعلق الأمر بسؤال مركزي يرتبط بمستقبل مهنة المحاماة وحدود استقلاليتها في ظل التحولات التي تعرفها منظومة العدالة.

فالمحامون يضعون استقلال المهنة وحصانة الدفاع والتنظيم الذاتي في مقدمة مطالبهم، بينما تراهن الدولة على منظومة أكثر شفافية وانضباطا في التدبير المالي والمحاسبي، بما يضمن حماية حقوق المتقاضين ويعزز الثقة في المؤسسات المهنية.

وبينما دخل القانون حيز التنفيذ، يبدو أن النقاش حوله لم ينته، بل انتقل إلى مرحلة جديدة ستختبر مدى قدرة المقتضيات الجديدة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة وحماية أموال المتقاضين من جهة، وضمان استقلال مهنة المحاماة ومؤسساتها من جهة أخرى.

وفي ظل استمرار احتجاجات أصحاب البذلة السوداء، يبقى تنزيل القانون عمليا أمام اختبار حقيقي، قد يجعل المرحلة المقبلة محطة حاسمة في تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة ومهنة المحاماة ومستقبل تنظيمها الذاتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى