أخبارسياسة

واقع الصحة يفجر الصراع بمجلس النواب

تحول ملف الصحة إلى أحد أبرز عناوين السجال السياسي داخل مجلس النواب، بعدما فجرت أوضاع المستشفيات العمومية والخدمات الصحية نقاشاً حاداً بين الأغلبية والمعارضة، في ظل استمرار شكاوى المواطنين من الخصاص في الموارد البشرية وطول فترات الانتظار وصعوبة الولوج إلى العلاج بعدد من المناطق، خصوصاً بالعالم القروي والمناطق النائية.

وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة، قدم وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي حصيلة اعتبرها دليلاً على أن ورش إصلاح المنظومة الصحية دخل مرحلة التنفيذ الميداني، مؤكداً أن الحكومة انتقلت من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز، عبر مشاريع واسعة لتأهيل البنيات الصحية وتعزيز العرض الاستشفائي وتطوير الموارد البشرية.

وأوضح الوزير أن الوزارة نجحت في تأهيل نحو 1400 مركز صحي بمختلف جهات المملكة، يوجد أكثر من 70 في المائة منها بالعالم القروي والمناطق الجبلية، مع تجهيزها بمعدات حديثة وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج. كما أعلن عن إطلاق مرحلة جديدة تشمل تأهيل 1600 مركز صحي إضافي، إلى جانب برمجة بناء 500 مركز صحي جديد خلال سنة 2026، مشيراً إلى أن أكثر من 100 مركز سيكون جاهزاً خلال الأسابيع المقبلة.

وأكد التهراوي أن المملكة تتوفر حالياً على ما يقارب 3000 مركز صحي، معتبراً أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط بالبنيات التحتية، بل أصبح يرتبط أساساً بتوفير الموارد البشرية الكافية لضمان جودة الخدمات واستمراريتها. وأقر بوجود خصاص هيكلي في الأطر الطبية والتمريضية، لكنه شدد على أن الحكومة وضعت خطة تدريجية لمعالجة هذا الإشكال عبر الرفع من الطاقة الاستيعابية لكليات الطب وإحداث مؤسسات جامعية جديدة للتكوين الصحي.

غير أن المعارضة اعتبرت أن الأرقام المعلنة لا تعكس بشكل كامل واقع القطاع، مشيرة إلى أن عدداً من المراكز الصحية والمستشفيات ما زالت تعاني نقصاً في الأطباء والتجهيزات الأساسية، وهو ما يجعل المواطن في كثير من الأحيان غير قادر على الاستفادة الفعلية من الخدمات المعلن عنها. ويرى منتقدو السياسة الصحية أن أزمة القطاع لا تتعلق فقط بالبنايات، بل ترتبط أساساً بضعف الموارد البشرية واستمرار الفوارق المجالية بين المدن الكبرى والمناطق القروية.

وفي محاولة للرد على هذه الانتقادات، كشف وزير الصحة عن إجراءات جديدة وصفها بغير المسبوقة، أبرزها الشروع ابتداء من شهر غشت المقبل في تعيين وتوزيع 530 طبيباً أخصائياً مباشرة بعد تخرجهم، دون انتظار فترات طويلة كانت تصل في السابق إلى سنتين بين التخرج والتوظيف.

وأكد الوزير أن هذا الإجراء يندرج ضمن إصلاح شامل لمنظومة تكوين وتدبير الأطباء الأخصائيين، حيث سيتم اعتماد نظام تعاقدي جديد يلزم الأطباء الجدد بقضاء فترة خدمة داخل المؤسسات الصحية العمومية بعد التخرج، تمتد إلى أربع سنوات بالنسبة للأفواج الملتحقة خلال سنتي 2026 و2027، وثلاث سنوات ابتداء من سنة 2028.

كما أوضح أن الحكومة فتحت خلال السنة الجارية حوالي 2000 منصب لفائدة الأطباء المقيمين، والذين سيلتحقون بالمؤسسات الصحية العمومية ابتداء من سنة 2030، في خطوة تروم تعزيز الخريطة الصحية الوطنية وضمان توزيع أكثر عدالة للكفاءات الطبية بين مختلف الجهات.

وفي إطار دعم العرض الصحي بالعالم القروي، كشف الوزير أن 70 في المائة من المناصب المالية الجديدة تم توجيهها نحو المناطق القروية والنائية، مبرزاً أن الوزارة اعتمدت أيضاً آلية الشراكات مع الجماعات الترابية، حيث تم توقيع عشرات الاتفاقيات التي مكنت من توفير مئات الأطباء والممارسين الصحيين والأطر المساعدة.

وعلى مستوى المستشفيات العمومية، أكد المسؤول الحكومي أن الوزارة أطلقت منذ أكتوبر 2025 مخططاً استعجالياً لتحسين الأداء الميداني، شمل إعادة تنظيم مصالح المستعجلات وفق نظام للفرز حسب خطورة الحالات، وتعبئة أكثر من 531 مهنياً صحياً إضافياً، فضلاً عن تعزيز مخزون الأدوية والمنتجات الصحية بنسبة 26 في المائة.

كما تم، بحسب الوزير، توفير 1717 سريراً إضافياً عبر افتتاح وتشغيل 11 مؤسسة صحية جديدة، إلى جانب استكمال مشاريع أخرى وفرت مئات الأسرة الإضافية، مع توقع دخول مشاريع جديدة حيز الخدمة قبل نهاية السنة الجارية بما يقارب 2000 سرير إضافي.

ورغم هذه المعطيات، فإن الجدل حول واقع الصحة العمومية مرشح للاستمرار داخل البرلمان، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث بات القطاع الصحي أحد أهم الملفات التي تقاس بها نجاعة السياسات العمومية. وبين تأكيد الحكومة أن الإصلاح يسير وفق رؤية واضحة وتوجيهات ملكية تهدف إلى ضمان كرامة المواطن والعدالة المجالية، وتشكيك المعارضة في الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على حياة المواطنين اليومية، يبدو أن ملف الصحة سيظل عنواناً بارزاً للصراع السياسي خلال المرحلة المقبلة، باعتباره من أكثر القضايا التصاقاً بالانتظارات الاجتماعية للمغاربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى