
أعاد تقرير استخباراتي إسباني حديث تسليط الضوء على الدور المتزايد الذي باتت تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في التأثير على تحركات الهجرة غير النظامية، بعدما كشف عن معطيات تشير إلى أن حملة رقمية واسعة النطاق ساهمت في تعبئة آلاف الأشخاص، من بينهم قاصرون، للتوجه نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين خلال شهر يوليوز الماضي.
وبحسب التقرير، الذي استندت إليه صحيفتا “إلباييس” و”لاراثون” الإسبانيتان، فإن النشاط الرقمي لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ بشكل تدريجي منذ مطلع شهر يوليوز، قبل أن يتحول إلى موجة واسعة من التفاعل والانتشار على مختلف المنصات الرقمية. وأوضح التقرير أن المحتوى المرتبط بالدعوات إلى العبور حقق ما يقارب 11 مليون مشاهدة، وهو ما يعكس الحجم الكبير للحملة الرقمية ومدى انتشارها داخل المغرب وخارجه.
وأشار التقرير إلى أن الحسابات التي ساهمت في نشر هذا المحتوى لم تكن متمركزة في دولة واحدة، بل توزعت بين الجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، إلى جانب حضور قوي لحسابات مرتبطة بالمغرب، وهو ما يعكس الطابع العابر للحدود لهذه الحملة الرقمية. كما أظهرت المعطيات أن الرسائل والمقاطع المصورة انتشرت بسرعة عبر تطبيقات ومنصات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام”، مستفيدة من خوارزميات الانتشار والتفاعل التي توفرها هذه الشبكات الاجتماعية.
ويؤكد التقرير أن وتيرة تداول المحتوى ارتفعت بشكل ملحوظ عقب القرار الذي أصدرته المحكمة العليا الإسبانية بشأن الإطار القانوني للتعامل مع الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة عبر المسار البحري، حيث استغلت بعض الحسابات هذا التطور لتكثيف الدعوات ونشر معلومات مرتبطة بطرق الوصول ومواعيد التحرك، وهو ما ساهم في توسيع دائرة التفاعل وجذب مزيد من المتابعين.
كما رصدت التحقيقات نشاط مجموعات على تطبيق “واتساب” كانت تدار، وفق التقرير، من أرقام تحمل المفتاح الدولي (+213) الخاص بالجزائر، حيث جرى تداول معلومات تتعلق بمسارات الوصول ووسائل النقل ونقاط التجمع والتوقيتات المناسبة، إضافة إلى إرشادات مرتبطة بالوصول إلى المنطقة المحاذية لحاجز الأمواج. ويرى معدو التقرير أن هذه المعطيات تعكس مستوى من التنسيق الرقمي الذي رافق الأحداث، حتى وإن لم يثبت وجود قيادة مركزية واحدة لهذه التحركات.
استخبارات المصادر المفتوحة تكشف خريطة الانتشار الرقمي وآليات التنسيق
استند التقرير في خلاصاته إلى تقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، وهي أدوات تحليلية متطورة تعتمد على تتبع البيانات المتاحة للعموم ورصد أنماط انتشار المحتوى والتفاعلات الرقمية. ومن خلال هذه المنهجية تمكن الباحثون من رسم خريطة زمنية لمسار انتشار الرسائل والحسابات التي شاركت في تداولها، مع تحديد الروابط بين مختلف المجموعات الرقمية التي نشطت في أكثر من دولة.
ويشير التحليل إلى أن المؤشرات المتوفرة لا تدعم فرضية وجود جهة واحدة تدير العملية بالكامل، بل ترجح أن الأمر يتعلق بشبكة لامركزية من الحسابات والمجموعات الرقمية، تولى كل منها أدوارا مختلفة في إنتاج المحتوى أو إعادة نشره أو توفير المعلومات اللوجستية، بما أسهم في توسيع نطاق الحملة وتعزيز انتشارها عبر الحدود.
ويرى التقرير أن هذه الحالة تعكس التحول الذي يشهده الفضاء الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً قادراً على التأثير في السلوك الجماعي خلال فترات زمنية قصيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع تحظى بقدر كبير من الاهتمام والتفاعل. كما أن الاعتماد على المقاطع المصورة والبث المباشر والرسائل الفورية أسهم في تسريع تداول المعلومات بين آلاف المستخدمين في وقت قياسي.
وتثير هذه المعطيات، بحسب التقرير، تحديات متزايدة أمام الأجهزة الأمنية وصناع القرار في ما يتعلق برصد الحملات الرقمية ذات الطابع العابر للحدود، خصوصاً تلك التي تستغل المنصات الاجتماعية لتوجيه أو تحفيز تحركات جماعية. كما تؤكد أهمية تطوير آليات الرصد المبكر والتعاون الدولي في مجال مكافحة الاستغلال الرقمي، مع احترام القوانين الوطنية والحقوق الأساسية للمستخدمين.
وفي المقابل، تبقى هذه المعطيات جزءاً من تقييم استخباراتي يستند إلى تحليل البيانات المفتوحة ومؤشرات النشاط الرقمي، وهو ما يعني أن بعض الاستنتاجات تعكس قراءة تحليلية للوقائع وليست بالضرورة أحكاماً قضائية أو أدلة قانونية قاطعة. غير أن التقرير يخلص إلى أن الحملة الرقمية التي سبقت أحداث سبتة ومليلية شكلت نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في تعبئة جماعية عابرة للحدود، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى وقدرته على الوصول إلى ملايين المستخدمين خلال فترة زمنية وجيزة.



