أخبارإقتصاد

مفتشو المالية يلاحقون صفقات مكاتب الدراسات

دخلت صفقات الدراسات والخدمات الاستشارية المبرمة من طرف عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية دائرة التدقيق من قبل مصالح المفتشية العامة للمالية، في إطار عمليات افتحاص واسعة تروم الوقوف على مدى سلامة مساطر إعداد وإسناد الطلبيات العمومية، وكذا مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية وربط شروط الصفقات بالحاجيات الحقيقية للمؤسسات صاحبة المشاريع.

وعلمت مصادر مطلعة أن عمليات التدقيق شملت 13 مؤسسة ومقاولة عمومية، وتركزت على صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 127 مليون درهم خلال السنوات الأربع الماضية، مع إيلاء أهمية خاصة للصفقات المتعلقة بالدراسات والاستشارات والخدمات التي تتطلب خبرات تقنية ومهنية محددة.

وتحرك مفتشو المالية، حسب المعطيات المتوفرة، بناء على مؤشرات وشبهات مرتبطة بطريقة إعداد طلبات العروض ودفاتر التحملات، خصوصا ما يتعلق بالشروط التقنية ومعايير التنقيط وآليات المفاضلة بين العروض المقدمة من طرف مكاتب الدراسات المتنافسة. ويهدف الافتحاص إلى التأكد من أن الشروط المحددة في هذه الصفقات لم تكن سببا في تضييق دائرة المنافسة أو منح أفضلية غير مبررة لمتعهدين بعينهم.

وحظي معيار أقدمية مكاتب الدراسات باهتمام خاص من طرف المفتشين، بعدما أدرج في شبكات التنقيط الخاصة بعدد من الصفقات، وهو ما دفع إلى التحقق من مدى ملاءمة اعتماد هذا العنصر في تقييم العروض، ومدى ارتباطه فعليا بالقدرة التقنية والمهنية للمكتب على تنفيذ الأعمال المطلوبة.

وتطرح هذه النقطة، وفق المعطيات نفسها، إشكالية العلاقة بين سنوات ممارسة النشاط وبين الكفاءة الفعلية، إذ لا تعني أقدمية مكتب معين بالضرورة توفره على الموارد البشرية والخبرات والتجهيزات الأكثر ملاءمة لإنجاز دراسة أو خدمة استشارية محددة. كما يجري فحص مدى تناسب الخبرات المهنية المطلوبة مع طبيعة المشاريع، وطريقة احتساب تجارب الأطر والخبراء ضمن شبكات التنقيط.

كما امتد التدقيق إلى الطريقة التي جرى بها تحديد الأوزان الممنوحة للعرضين التقني والمالي، ومدى قدرتها على ضمان مقارنة موضوعية وعادلة بين المتنافسين. ويبحث المفتشون في ما إذا كانت المعايير التقنية المعتمدة قد صممت بما يخدم جودة الخدمة المطلوبة فعلا، أم أنها أدت عمليا إلى استبعاد عدد من المكاتب قبل الوصول إلى مرحلة المقارنة المالية.

ويأتي هذا التدقيق في سياق تتزايد فيه أهمية الحكامة المالية للصفقات العمومية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية التي تمر عبرها اعتمادات مهمة من المال العام، وهو ما يجعل أي خلل في إعداد المنافسة أو اختيار المتعهدين محط اهتمام أجهزة الرقابة والتفتيش.

ولم تقتصر عمليات الافتحاص على دفاتر التحملات ومعايير اختيار مكاتب الدراسات، بل امتدت إلى طبيعة الخدمات المطلوبة ومدى تناسبها مع المبالغ المرصودة لها، خصوصا في الحالات التي تم فيها اعتماد منهجيات ترجيح تقنية معقدة في صفقات ذات طبيعة استشارية عادية.

وتتحرى مصالح التفتيش مدى التناسب بين حجم الدراسة أو الخدمة المطلوبة وقيمتها المالية، إلى جانب طبيعة الخبرات المفروضة على المتنافسين، وذلك لتحديد ما إذا كانت الشروط التقنية مرتبطة فعلا بالحاجيات العمومية أم أنها ساهمت في رفع كلفة المنافسة وتقليص عدد المكاتب المؤهلة للظفر بالصفقة.

وتزامنا مع ذلك، دخلت سندات طلب متعثرة دائرة المراقبة، بعدما توصلت مصالح المفتشية بإشعارات حول طلبيات عمومية لم يتم تنفيذها داخل الآجال المحددة، رغم استكمال الإجراءات الإدارية والقانونية المتعلقة بإسنادها. وتتعلق هذه الطلبيات، حسب المعطيات المتوفرة، باقتناء معدات صناعية وفلاحية وتجهيزات معلوماتية ورقمية.

وتراوحت آجال تنفيذ عدد من هذه الطلبيات بين 25 و30 يوما، غير أن شركات فائزة لم تبادر إلى تنفيذ التزاماتها داخل المواعيد المحددة، ما دفع المفتشين إلى مساءلة المسؤولين عن مدى فعالية آليات التتبع والمراقبة المعتمدة منذ لحظة إبرام الطلبية إلى غاية التسلم النهائي.

كما شملت عمليات التدقيق حالات تعذر فيها التواصل مع بعض الشركات المتعاقدة، بسبب عناوين غير صحيحة أو غير قابلة للتبليغ ضمن ملفات العروض، الأمر الذي أثار تساؤلات حول إجراءات التحقق من المعطيات التي تقدمها الشركات قبل إسناد الطلبيات إليها.

ويبحث مفتشو المالية كذلك في مدى احترام المؤسسات العمومية للآجال والإجراءات القانونية المتعلقة بالإعذار والفسخ وإعادة إطلاق طلبات العروض، خصوصا عندما يثبت إخلال المتعاقد بالتزاماته أو امتناعه عن التنفيذ دون مبرر مشروع.

وتكتسي هذه الملفات أهمية مالية وتدبيرية، لأن استمرار طلبيات معلقة يؤدي إلى تجميد اعتمادات عمومية وتعطيل حاجيات المؤسسات والمرافق، فضلا عن إمكانية ترتيب آثار مالية إضافية على الجهات صاحبة المشاريع.

ومن المنتظر أن تركز خلاصات الافتحاص على مدى نجاعة أنظمة الرقابة الداخلية لدى المؤسسات المعنية، وقدرتها على اكتشاف الاختلالات في وقت مبكر، سواء خلال مرحلة إعداد دفاتر التحملات أو اختيار المتنافسين أو تنفيذ الصفقات والطلبيات.

وتتجه مصالح التفتيش، وفق المعطيات نفسها، إلى إجراء مقارنات دقيقة بين الآجال التعاقدية وتواريخ الإشعار والإعذار والإجراءات المتخذة لاحقا، بما يسمح بتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات التدبيرية المحتملة.

وبذلك، يبدو أن صفقات مكاتب الدراسات والخدمات الاستشارية أصبحت تحت مجهر الرقابة المالية، ليس فقط من زاوية احترام المساطر، وإنما أيضا من حيث كلفة الدراسات، وملاءمة شروط المنافسة، وفعالية الإنفاق العمومي، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان أفضل خدمة مقابل الاعتمادات المرصودة لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى