أخبارسياسة

قضاة الحسابات يحققون في فواتير مشبوهة بالمليارات بالجماعات

نتجه أنظار مصالح الرقابة المالية إلى عدد من الجماعات الترابية، على خلفية اختلالات مفترضة في تدبير النفقات والطلبيات العمومية، بعدما كشفت عمليات افتحاص أجرتها مجالس جهوية للحسابات عن مؤشرات وصفت بالمقلقة بشأن فواتير وسندات طلب وصفقات بمبالغ مالية مهمة. وتشمل هذه الملاحظات جماعات تابعة لجهات الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، وفاس–مكناس، وبني ملال–خنيفرة، في انتظار استكمال المساطر الرقابية وإدراج خلاصاتها ضمن التقارير النهائية.

وبحسب معطيات متداولة في هذا السياق، ركز قضاة الحسابات على طبيعة عدد من العمليات المالية التي نفذتها جماعات ترابية، خصوصاً تلك المرتبطة بسندات الطلب، بعدما أظهرت الوثائق المفحوصة وجود فواتير متشابهة أو متقاربة القيمة، وتكرار التعامل مع الأسماء نفسها من المزودين والمقاولات، رغم اختلاف طبيعة الخدمات والتوريدات موضوع النفقات.

وتشمل العمليات التي خضعت للتدقيق اقتناء تجهيزات مرتبطة بالمقالع، وملابس وتحف وهدايا، ومواد للصيانة والإنارة، إضافة إلى مبيدات ومواد أخرى، حيث انصبت عملية المراقبة على مدى حقيقة التوريدات والخدمات، ومدى تطابقها مع الوثائق المثبتة للنفقات، فضلاً عن احترام المساطر القانونية المعمول بها في مجال الطلب العمومي.

وتبرز من بين الملاحظات التي أثارت انتباه أجهزة الرقابة وجود نواقص في حفظ الملفات والوثائق المرتبطة ببعض سندات الطلب والصفقات، إلى جانب عدم توفر ملفات عروض متنافسين تم إقصاؤهم، وهو ما جعل عملية التحقق من مراحل المسطرة وشروط المنافسة أكثر صعوبة. كما سجلت ملاحظات بشأن بعض جلسات فتح الأظرفة، وحالات لم يحضر فيها ممثلو الخزينة العامة للمملكة، رغم ارتباط بعض الإجراءات بمقتضيات تنظيمية تستوجب حضورهم.

وفي السياق ذاته، امتد افتحاص مجلس الحسابات إلى الشروط التقنية والإدارية المعتمدة في عدد من الطلبيات، بعدما أظهرت بعض الملفات بنوداً قد تكون حدت من دائرة المنافسة. ودفعت هذه المعطيات أجهزة الرقابة إلى التحقق مما إذا كانت تلك الشروط مبررة بطبيعة الحاجيات الفعلية للجماعات، أم أنها ساهمت في منح أفضلية غير مبررة لمتعاملين محددين.

كما جرى التوقف عند احتمال وجود حالات لتضارب المصالح، خاصة عندما تتقاطع مصالح بعض المزودين أو المقاولات مع علاقات انتخابية أو تجارية محيطة بالمنتخبين. غير أن هذه الملاحظات تظل، في هذه المرحلة، ضمن خلاصات أولية لعمليات الافتحاص، ولا تعني ثبوت مسؤولية أو ارتكاب مخالفات في حق أي شخص قبل استكمال المساطر القانونية والاستماع إلى أجوبة الجهات المعنية.

ومن بين الملفات التي استأثرت باهتمام قضاة الحسابات أيضاً، الإفراط في اللجوء إلى سندات الطلب مقابل استعمال محدود لمساطر الصفقات العمومية، خصوصاً في الحالات التي تتكرر فيها الطلبات في المجال نفسه أو تستفيد منها المقاولات والمزودون أنفسهم. ويطرح هذا المعطى تساؤلات حول طريقة برمجة النفقات وتوزيعها، ومدى احترام الاعتمادات المفتوحة في الميزانيات الجماعية والسقوف القانونية المؤطرة للإنفاق.

كما رصدت عمليات التدقيق حالات تم فيها إلغاء سندات طلب بعد إطلاق المساطر وبلوغها مراحل متقدمة، قبل إعادة برمجتها أو تغيير مسارها استناداً إلى مبررات من قبيل تغير الحاجيات أو السياق. غير أن مقارنة هذه التبريرات بالوثائق والمراسلات الإدارية والمالية دفعت أجهزة الرقابة إلى طرح أسئلة حول الأسباب الفعلية وراء بعض قرارات الإلغاء، ومدى ارتباطها بإشكالات ظهرت أثناء تنفيذ المساطر.

وتكمن أهمية هذه الملاحظات في أن قضاة الحسابات لم يكتفوا بفحص كل فاتورة أو سند طلب بشكل منفرد، بل ركزوا أيضاً على الأنماط المتكررة داخل عدد من الجماعات. فقد شكل تكرار أسماء المزودين، وتشابه الفواتير، وتقارب المبالغ، وتزامن العمليات خلال فترات زمنية متقاربة، مؤشرات دفعت إلى توسيع نطاق التدقيق والعودة إلى سلسلة الوثائق المؤيدة للنفقات، للتحقق من مدى إنجاز الخدمات والتوريدات فعلياً.

وتأتي هذه العمليات في سياق متواصل لتشديد الرقابة على تدبير المال العام محلياً، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وما تفرضه المرحلة من تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتكتسي تقارير المجالس الجهوية للحسابات أهمية خاصة باعتبارها آلية لمراقبة كيفية تدبير الموارد العمومية، والكشف عن الاختلالات التي قد تؤثر في نجاعة الإنفاق وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن عدداً من الملاحظات لم يحسم بعد في طبيعتها النهائية، إذ تنتظر أجهزة الرقابة أجوبة المصالح والجماعات المعنية قبل استكمال التقارير وصياغة خلاصاتها. ومن المنتظر أن تشكل هذه الملفات جزءاً من المعطيات التي ستدرج في التقرير السنوي المقبل للمجلس الأعلى للحسابات، بما قد يفتح الباب أمام إحالات أو إجراءات إضافية إذا كشفت النتائج النهائية عن وجود مخالفات تستوجب ترتيب المسؤوليات.

وهكذا، يواصل مجلس الحسابات تتبع مسار النفقات الجماعية، فيما أصبحت الفواتير وسندات الطلب محل تدقيق دقيق، خصوصاً عندما تظهر مؤشرات على تكرار التعاملات أو ضعف المنافسة أو عدم اكتمال الوثائق. وبينما يبقى الحسم رهيناً بنتائج الافتحاص النهائية وأجوبة الجماعات المعنية، فإن حجم الملاحظات المسجلة يعيد إلى الواجهة سؤال حماية المال العام وضرورة ضمان شفافية أكبر في تدبير الطلبيات العمومية على المستوى الترابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى