أخبارسياسة

شبهة المال مقابل التزكية تهز الاتحاد الاشتراكي

لشكر يجرد محامية و طعون تفتح ملف المال والنفوذ في التزكيات الحزبية

دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مرحلة جديدة من الجدل الداخلي، بعد أن قرر مكتبه السياسي تجريد محامية من انتمائها الحزبي، على خلفية مواقفها وتصريحاتها المرتبطة بمسطرة اختيار وكيلات اللوائح الجهوية للنساء في الانتخابات التشريعية المقبلة، وما أثارته من تساؤلات حول احتمال ارتباط المساهمات المالية للمرشحات بفرص الحصول على التزكية.

وجاء القرار في اجتماع المكتب السياسي المنعقد يوم 22 غشت الجاري، والذي خصص للمصادقة على نتائج لجان البت في الترشيحات الخاصة بالدوائر الجهوية، حيث أعلن الحزب بالإجماع المصادقة على أشغال وقرارات اللجان، كما أعلن قبول استقالة عضوة، مقابل اعتبار المحامية متخلية عن انتمائها للحزب، مع احتفاظ القيادة الاتحادية بحقها في اللجوء إلى القضاء بشأن ما اعتبرته اتهامات خطيرة موجهة إلى مؤسسات الحزب وأعضائه.

وتفجر الخلاف بعدما وجهت الإدريسي، وهي محامية وعضوة سابقة بالمجلس الوطني والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، مراسلة إلى الكاتب الأول إدريس لشكر والمكتب السياسي، طالبت فيها بفتح تحقيق داخلي بشأن ما قالت إنه مطالبة لعدد من المرشحات بتحديد مبالغ مالية يلتزمن بالمساهمة بها في الحملة الانتخابية، وذلك في سياق المنافسة على التزكية ضمن اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء ـ سطات.

وبحسب المعطيات التي أوردتها الإدريسي في مراسلتها، فقد تراوحت المبالغ التي تم تداولها بين 1.4 و1.6 مليون درهم، فيما تحدثت روايات أخرى عن مبالغ أكبر في سياقات مرتبطة بالترشيحات. وهي أرقام أثارت، في حال صحتها، أسئلة سياسية وقانونية واسعة، بالنظر إلى أن سقف نفقات الحملة الانتخابية التشريعية محدد في 600 ألف درهم لكل مترشح، وفق المقتضيات المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية.

ولم يكن اعتراض المحامية منصباً فقط على قيمة المبالغ، وإنما على طبيعة العلاقة المفترضة بين المال ومسار التزكية. فقد قالت إنها، خلال اجتماع لجنة البت في الترشيحات، فوجئت بإفادات تفيد بأن بعض المرشحات طُلب منهن تدوين المبلغ المالي الذي يعتزمن المساهمة به في الحملة على ورقة مستقلة، وهو ما اعتبرته ممارسة يمكن أن تطرح إشكالاً بشأن مدى ارتباط القدرة المالية بفرص الحصول على التزكية.

وأثارت المحامية كذلك جملة من الأسئلة حول الطبيعة القانونية لهذه المساهمات، وما إذا كانت تعتبر تبرعات للحزب أم مساهمات مخصصة لتمويل الحملات الانتخابية، والجهة التي تحدد أوجه صرفها وكيفية توزيعها، فضلاً عن طريقة تبريرها محاسبياً أمام الجهات المختصة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات.

كما تساءلت عن الكيفية التي يمكن بها للمرشحة تدبير حملتها الانتخابية الخاصة إذا تم تحويل المبلغ الذي تساهم به إلى الحساب العام للحزب، وعن الوثائق المحاسبية التي يفترض أن تثبت طبيعة المبلغ ووجهته القانونية.

وفي المقابل، رفض حزب الاتحاد الاشتراكي ما ورد على لسان المحامية، ووصف ادعاءاتها بأنها باطلة، معتبراً أنها تمثل خرقاً للنظام الأساسي والقانون الداخلي للحزب وتمس بمصداقية مؤسساته وأعضاء لجنة البت. وأكد المكتب السياسي أن مسطرة اختيار المرشحات تمت وفق القواعد التنظيمية التي سبق للحزب اعتمادها والإعلان عنها، وأن نتائج لجان البت لم تكن موضوع طعن وفق ما ورد في بلاغه.

كما اعتبر الحزب أن المحامية، بعد قبولها بالمشاركة في المسطرة والخضوع لمقتضياتها، عادت للتنكر لنتائجها وللمعايير المعتمدة فيها، قبل أن توجه اتهامات اعتبرها الاتحاد الاشتراكي خطيرة، وهو ما دفع قيادته إلى الإعلان عن تخليها عن انتمائها الحزبي، مع التلويح باللجوء إلى القضاء.

ولم تتوقف تداعيات الخلاف عند حالة المحامية، إذ تزامن الجدل مع استقالة العضوة، احتجاجاً على معايير اختيار وتزكية مرشحات اللائحة الجهوية بإقليم شفشاون، وفق معطيات من داخل الحزب، فضلاً عن طعن تقدمت به ليلى بوهو، عضو اللجنة الإدارية والمجلس الوطني والكتابة الجهوية للحزب بجهة الدار البيضاء ـ سطات والكاتبة الإقليمية للحزب بعين الشق.

وأثارت بوهو بدورها أسئلة حول نتائج لجنة الاستماع إلى طلبات الترشيح لوكالة اللائحة الجهوية، بعدما جرى تداول ترتيب للأصوات يمنح إحدى المرشحات 10 أصوات، والثانية 7 أصوات، والثالثة 3 أصوات، في الوقت الذي تضم فيه اللجنة 12 عضواً. كما تساءلت عما إذا كانت هذه النتائج نهائية أم مجرد اقتراحات سترفع إلى المكتب السياسي، وعن أسباب تداولها قبل عرضها على الهيئة الحزبية المختصة.

الأكثر حساسية في طعن بوهو تمثل في إثارتها لمسألة تسريب القيم المالية التي اقترحتها بعض المرشحات، معتبرة أن تسريب هذه المعطيات، في حال ثبوته، كان من شأنه أن يسمح لبعض المتنافسات بتعديل مساهماتهن لاحقاً، بما قد يحول التنافس على التزكية إلى ما يشبه المزايدة المالية.

ومن جهتها، وجهت منال التقال، العضوة بالمكتب السياسي، رسالة إلى إدريس لشكر تستفسر فيها عن المعايير التي حكمت اختيار المرشحات، وعن موقع المساهمات المالية في عملية اتخاذ القرار.

وبذلك، لم يعد الخلاف مجرد تنافس تنظيمي حول وكيلة لائحة جهوية، بل تحول إلى نقاش أوسع حول حدود العلاقة بين المال والسياسة، وطبيعة التمويل الحزبي، ومعايير اختيار المرشحين، ومدى قدرة الأحزاب على ضمان تكافؤ الفرص بين المناضلين والمناضلات بعيداً عن الاعتبارات المالية.

ويأتي هذا الجدل في سياق انتخابي حساس، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل، حيث تشكل اللوائح الجهوية للنساء إحدى واجهات التنافس الحزبي، كما تكتسي التزكيات أهمية كبيرة بالنسبة للأحزاب التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل المؤسسة التشريعية.

وبينما تؤكد قيادة الاتحاد الاشتراكي سلامة المسطرة التنظيمية، وتعتبر الاتهامات الموجهة إليها باطلة وتمس بمصداقية الحزب، فإن الأسئلة التي طرحتها الإدريسي وباقي المعترضات حول طبيعة المساهمات المالية وموقعها من عملية التزكية ستظل مطروحة سياسياً إلى حين تقديم توضيحات أكثر تفصيلاً، خصوصاً بشأن كيفية تحديد هذه المساهمات، والجهة التي تتلقاها، وأوجه صرفها، والضمانات التي تمنع تحول المال إلى معيار للمفاضلة بين المرشحات.

وتزداد حساسية الملف مع تداول أرقام مالية كبيرة في سياقات انتخابية مختلفة، غير أن هذه الأرقام، ما لم تدعمها وثائق أو تحقيقات رسمية، تظل مجرد معطيات متداولة لا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة.

وفي انتظار ما قد تسفر عنه التطورات السياسية أو القضائية، يبدو أن قرار الاتحاد الاشتراكي بتجريد محامية من انتمائها الحزبي، عقب إثارتها شبهات وأسئلة حول المال والتزكيات، لن يغلق النقاش، بل قد يدفعه إلى مستوى أوسع يتعلق بكيفية تدبير الأحزاب لمساطر الترشيح، وحدود التمويل السياسي، ومدى شفافية التزكيات الانتخابية في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى