أخبارسياسة

تحقيق: ” الصمت البرلماني” يكلف خزينة الدولة 9 مليار سنتيم

41 برلمانيا “غائبين” لخمس سنوات، لا سؤال، لا تعقيب، يحصلون على 216 مليون للواحد

الدولة تخسر 88.56 مليون درهم على نواب خلال الولاية التشريعية

تحقيق: طارق ضرار

أمام انتظارات المواطن المغربي من ممثليه داخل المؤسسة التشريعية و الدفاع عن مصالحه ومساءلة الحكومة واقتراح القوانين، و مع احتدام الصراع على التزكيات للصعود للبرلمان، تأتي بعض المعطيات لتطل علينا و تخلق نوعا من الصدمة عن برلمانيين كانوا في البرلمان، مع انهم لم يمارسوا دورهم و جلهم من أحزاب الأغلبية الحكومية حيث يطرح السؤال ماذا يكلف الصمت البرلماني خزينة الدولة من مصاريف، بعيدا عن التكلفة السياسية و الأخلاقية للعمل البرلماني..

و هنا نقف عند معطيات متداولة منسوبة إلى تحليل محاضر الجلسات الأسبوعية لمجلس النواب، كشفت أن 41 نائبا برلمانيا لم يسجل لهم أي تدخل خلال 123 جلسة أسبوعية امتدت على طول الولاية التشريعية 2021-2026 و تشير الأرقام إلى أن هؤلاء النواب يمثلون حوالي 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 نائبًا.. اذ لا يتعلق الأمر بعدم تقديم مقترحات قوانين أو أسئلة كتابية، وإنما بعدم تسجيل أي تدخل شفوي خلال جلسات مساءلة الحكومة وفق المعطيات الواردة….

تكلفة الصمت

و إذا احتسب التعويض الشهري للنائب البرلماني بحوالي 36 ألف درهم، فإن مجموع ما يتقاضاه البرلماني خلال خمس سنوات يبلغ حوالي 2.16 مليون درهم، أي ما يعادل 216 مليون سنتيم.

وباحتساب هذا المبلغ بالنسبة إلى 41 نائبًا، فإن مجموع التعويضات يصل إلى حوالي:

88 مليونًا و560 ألف درهم اي حوالي 8 مليارات و856 مليون سنتيم . و هي أرقام تعيد طرح سؤال جوهري حول علاقة الإنفاق العمومي بالمردودية البرلمانية.

و هنا نرصد توزيع النواب حسب الأحزاب، حيث يتوزع النواب على الأحزاب التالية:

الأصالة والمعاصرة: 18 نائبًا
التجمع الوطني للأحرار: 10 نواب
الاتحاد الدستوري: 6 نواب
حزب الاستقلال: 4 نواب
الحركة الشعبية: 3 نواب

ماذا يقول الدستور؟

ينص الدستور المغربي على أن البرلمان يمارس ثلاث وظائف أساسية التشريع و مراقبة العمل الحكومي.
حيث أن تقييم السياسات العمومية كما أن جلسات الأسئلة الشفوية تعد إحدى أهم آليات الرقابة السياسية، لأنها تتيح للنواب مساءلة الوزراء أمام الرأي العام، و بالتالي فإن غياب التدخلات يطرح نقاشا حول مدى ممارسة بعض النواب لأدوارهم التمثيلية داخل المؤسسة التشريعية.

فهل يعني الصمت غياب العمل؟ لا شك أن تقييم أداء البرلماني لا يقتصر على المداخلات الشفوية فقط، إذ يشمل الأسئلة الكتابية و مقترحات القوانين و عمل اللجان الدائمة و الدبلوماسية البرلمانية والتواصل مع الدائرة الانتخابية.

المال العام والمحاسبة

لا يختلف اثنان في كون الرأي العام يبقى معنيا بمعرفة حصيلة ممثليه داخل البرلمان، خاصة عندما يتعلق الأمر بتعويضات تمول من المال العام، اذ يعتبر خبراء في الحكامة أن نشر مؤشرات الأداء البرلماني بشكل دوري، تشمل نسب الحضور والتدخلات والأسئلة والمبادرات التشريعية، من شأنه تعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين الناخبين من تقييم ممثليهم بناء على معطيات موضوعية.

وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، قد تتحول هذه المؤشرات إلى أحد أهم معايير الاختيار لدى الناخب، الذي أصبح يطالب ببرلمان أكثر حضورا وتأثيرا، لا يكتفي بشغل المقاعد، بل يمارس أدواره الدستورية في التشريع والرقابة والدفاع عن قضايا المواطنين.

الصمت البرلماني بين الحق الدستوري في الكلام وواجب تمثيل الأمة

لا يقاس الأداء البرلماني بعدد الكلمات فقط، كما لا يمكن اختزاله في عدد المداخلات داخل الجلسات العامة، لكن في المقابل لا يمكن اعتبار الصمت المستمر طوال ولاية تشريعية كاملة أمرا عاديا داخل مؤسسة يفترض أنها تقوم أساسا على النقاش العمومي والتشريع والرقابة على العمل الحكومي. فالنائب البرلماني لا ينتخب ليكون شاهدا على الأحداث، وإنما ليكون صوتا للناخبين، ومدافعا عن مصالحهم، ومراقبا لأداء الحكومة، ومقترحا للحلول التشريعية.

المعطيات و الحقيقة

وتكشف المعطيات المتداولة، التي تشير إلى عدم تسجيل أي تدخل لـ41 نائبا خلال 123 جلسة أسبوعية امتدت بين سنتي 2021 و2026، عن ظاهرة تستحق الوقوف عندها بعيدا عن منطق التشهير أو المزايدات السياسية. فهذه الأرقام، إذا تأكدت من خلال محاضر مجلس النواب، تطرح أسئلة عميقة حول مفهوم التمثيلية الديمقراطية، وحول المعايير التي يعتمدها المواطن في تقييم من انتخبهم للدفاع عن قضاياه.

ويمثل هؤلاء النواب حوالي 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب، وهي نسبة ليست بسيطة داخل مؤسسة تشريعية تضم 395 نائبا. كما أن توزيعهم على خمسة أحزاب مختلفة يؤكد أن الظاهرة ليست مرتبطة بحزب معين، بل تمتد إلى الأغلبية والمعارضة على حد سواء، ما يجعلها قضية مرتبطة بالثقافة البرلمانية أكثر من ارتباطها بالانتماء السياسي.

وتبرز الأرقام أن حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر اللائحة بـ18 نائبا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ10 نواب، ثم الاتحاد الدستوري بـ6 نواب، فحزب الاستقلال بـ4 نواب، وأخيرا الحركة الشعبية بـ3 نواب. وهذا التوزيع يفتح الباب أمام الأحزاب السياسية نفسها لتقييم أداء منتخبيها، خاصة وأن الدستور منحها مكانة محورية في تأطير المواطنين واختيار النخب السياسية.

لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالمال العام. فإذا كان النائب يتقاضى حوالي 36 ألف درهم شهريا، فإن مجموع ما يحصل عليه خلال خمس سنوات يصل إلى نحو 2.16 مليون درهم، أي 216 مليون سنتيم. وعند احتساب هذا المبلغ بالنسبة إلى 41 نائبا، فإن المجموع يتجاوز 88.56 مليون درهم. صحيح أن التعويضات لا تمنح مقابل إلقاء الكلمات فقط، وإنما تشمل مختلف المهام البرلمانية، إلا أن المواطن من حقه أن يتساءل عن مؤشرات المردودية، ومدى انعكاس هذه الاعتمادات المالية على جودة الأداء النيابي.

ومن جهة أخرى، ينبغي التعامل مع هذه المعطيات بقدر من الإنصاف، لأن العمل البرلماني لا يقتصر على الجلسات الأسبوعية. فهناك اجتماعات اللجان الدائمة، والأسئلة الكتابية، ومقترحات القوانين، والمهام الاستطلاعية، والدبلوماسية البرلمانية، والتواصل مع المواطنين داخل الدوائر الانتخابية. لذلك فإن غياب المداخلات الشفوية لا يعني بالضرورة غيابا كاملا عن العمل البرلماني، لكنه يبقى مؤشرا مهما على الحضور السياسي والإعلامي داخل المؤسسة التشريعية.

غير أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تقييم شامل لأداء جميع النواب وفق معايير دقيقة وشفافة، تشمل نسبة الحضور، وعدد المداخلات، والأسئلة الكتابية والشفوية، ومقترحات القوانين، وتقارير اللجان، والمبادرات الرقابية، حتى يتمكن المواطن من الحكم على أداء ممثليه بناء على معطيات موضوعية، وليس فقط من خلال الحملات الانتخابية أو الحضور الإعلامي.

وفي الديمقراطيات الحديثة، أصبحت البرلمانات تنشر بشكل دوري مؤشرات مفصلة حول أداء النواب، بما يسمح للناخبين بمقارنة مستوى النشاط البرلماني، وتعزيز ثقافة المحاسبة والشفافية. كما تعتمد العديد من البرلمانات على منصات رقمية تمكن المواطنين من تتبع حضور النواب وتصويتهم ومبادراتهم التشريعية بشكل لحظي.

الانتخابات و سؤال المحاسبة

ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، تبدو هذه المعطيات مرشحة لأن تتحول إلى عنصر مؤثر في اختيارات الناخبين، خاصة في ظل تصاعد المطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب السياسية، وإعطاء الفرصة لكفاءات قادرة على تحويل المقاعد البرلمانية إلى فضاءات للنقاش والإبداع التشريعي، وليس مجرد حضور بروتوكولي.

ويبقى الرهان الحقيقي هو بناء برلمان يقاس أداؤه بالأثر الذي يتركه في حياة المواطنين، لا بعدد المقاعد التي يشغلها أو الانتماءات الحزبية التي يمثلها. فالناخب لا ينتظر من ممثله أن يكون صامتا، بل أن يحمل صوته إلى قبة البرلمان، وأن يدافع عن قضاياه، ويشارك في صناعة السياسات العمومية، ويؤدي الأمانة التي منحه إياها عبر صناديق الاقتراع. وفي النهاية، فإن الديمقراطية لا تقوم فقط على تنظيم الانتخابات، بل على ضمان أن يكون المنتخب فاعلا ومحاسبا طوال مدة انتدابه، لأن الصمت، عندما يتحول إلى سلوك دائم داخل مؤسسة تشريعية، يصبح موضوعا للنقاش العمومي، ويستدعي من الأحزاب والبرلمان والرأي العام مراجعة آليات التقييم وربط الأداء بالمسؤولية، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم المنتخبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى