أخبارسياسة

تصاعد الاتهامات المتبادلة يعمق أزمة الثقة في الأحزاب

تعيش الساحة السياسية على وقع تصاعد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي وتبادل الاتهامات بين الفاعلين الحزبيين، في مشهد يعكس عمق أزمة الثقة التي باتت تطبع العلاقة بين المواطنين والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ارتفعت وتيرة الاتهامات المرتبطة بالريع وتضارب المصالح والفساد الانتخابي واستغلال النفوذ، وهو ما يساهم في ترسيخ صورة سلبية عن العمل السياسي لدى جزء واسع من الرأي العام.

وفي هذا السياق، وجه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، انتقادات حادة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، متهماً إياه بالاستفادة من اقتصاد الريع وصندوق المقاصة في بناء جزء من ثروته، ومعتبراً أن تداخل المال والسلطة يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه الممارسة السياسية بالمغرب. كما تحدث عن وجود فاعلين سياسيين يسعون إلى الوصول إلى المؤسسات المنتخبة بهدف تحقيق مصالح شخصية والحصول على الصفقات والامتيازات، بدل خدمة الصالح العام.

وتندرج هذه التصريحات ضمن سلسلة من الاتهامات المتبادلة التي أصبحت سمة ملازمة للنقاش السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث تتكرر الإشارات إلى تضارب المصالح والاحتكار والتأثير المتبادل بين السلطة الاقتصادية والقرار السياسي. ورغم اختلاف الأطراف السياسية حول الوقائع والتأويلات، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في استمرار الشكوك بشأن قدرة المؤسسات الحزبية على إنتاج نخب سياسية مستقلة عن المصالح الاقتصادية والاعتبارات الشخصية.

من جهتها، ذهبت نبيلة منيب، البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد، في الاتجاه نفسه حين انتقدت أداء الأغلبية الحكومية والمؤسسة البرلمانية، معتبرة أن البرلمان لا يمارس أدواره الرقابية والتشريعية بالشكل المطلوب. كما أثارت ملف الدعم الموجه لمربي الماشية، المعروف إعلامياً بملف “الفراقشية”، معتبرة أن غياب آليات المحاسبة وتقصي الحقائق يعزز الإحساس بالإفلات من العقاب ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات.

وتتجاوز هذه الاتهامات حدود التنافس السياسي التقليدي لتلامس قضايا مرتبطة بالحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي ملفات تحظى بحساسية خاصة لدى الرأي العام. فكلما ارتبط النقاش السياسي بمواضيع الريع أو الصفقات العمومية أو الدعم العمومي أو تضارب المصالح، تزداد حالة التشكيك في جدية الخطابات الحزبية وفي قدرة الفاعلين السياسيين على القطع مع ممارسات لطالما كانت محل انتقاد شعبي وإعلامي.

وفي موازاة تصاعد الاتهامات السياسية، أثار إعلان عدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين بمقاطعة السويسي بالرباط اعتزال العمل السياسي والحزبي من حزب التجمع الوطني للأحرار جدلاً واسعاً بشأن واقع الأحزاب وحدود الالتزام التنظيمي داخلها. فقد اختار المعنيون صيغة “اعتزال العمل السياسي والحزبي” دون الحديث صراحة عن الاستقالة من الحزب، ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيات القرار وأبعاده السياسية والقانونية.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها الذي يسبق الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث يرى متابعون أن حالات الانسحاب أو إعادة التموضع السياسي أصبحت مرتبطة في كثير من الأحيان بحسابات التزكيات الانتخابية وفرص الترشح أكثر من ارتباطها بالاختيارات الفكرية أو البرامج السياسية. وهو ما يعمق بدوره أزمة الثقة في العمل الحزبي ويعزز الانطباع السائد بأن الانتماءات السياسية أصبحت قابلة للتغيير وفق موازين المصالح والفرص الانتخابية.

كما أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول حضور الأعيان والعائلات النافذة داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة بعدما كشفت تركيبة الموقعين على البلاغ عن وجود عدد من أفراد الأسرة نفسها في مواقع مختلفة داخل المجلس الجماعي. ويعتبر منتقدو هذا النموذج أن هيمنة شبكات النفوذ المحلية والعائلية تحد من فرص تجديد النخب السياسية وتضعف المنافسة البرامجية، فيما يرى آخرون أن الناخبين هم أصحاب القرار النهائي في منح الثقة للمرشحين.

وتتزامن هذه التطورات مع تزايد المؤشرات الدالة على اتساع الفجوة بين المواطنين والأحزاب السياسية. فضعف نسب المشاركة في بعض الاستحقاقات، وتصاعد الخطاب المنتقد للنخب السياسية على منصات التواصل الاجتماعي، وتراجع الاهتمام بالشأن الحزبي لدى فئات واسعة من الشباب، كلها مؤشرات تعكس أزمة تمثيلية متفاقمة تتجاوز خلافات الأحزاب فيما بينها.

ويرى مراقبون أن استمرار النقاش السياسي محصوراً في تبادل الاتهامات المتعلقة بالفساد والريع واستغلال النفوذ، دون تقديم بدائل وبرامج واضحة لمعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية، قد يساهم في مزيد من تآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة. كما أن تكرار مشاهد الاستقالات الجماعية والخلافات الداخلية والصراعات حول التزكيات الانتخابية يرسخ لدى المواطنين صورة مفادها أن المصالح الشخصية أصبحت في أحيان كثيرة أقوى من الالتزامات السياسية والتنظيمية.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو الأحزاب المغربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى باستعادة ثقة المواطنين عبر تجديد نخبها، وتعزيز الشفافية الداخلية، وتقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بخطابات الاتهام المتبادل. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط حول الفوز بالمقاعد والمناصب، بل حول استعادة المصداقية السياسية وإقناع الناخبين بأن العمل الحزبي ما زال قادراً على خدمة المصلحة العامة بعيداً عن شبهات الريع والنفوذ والامتيازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى