أخباركرونيك

الإفراغ السياسي

في زمن لم تعد فيه السياسة تشبه السياسة، بل أشبه بسوق انتقالات مفتوح طوال السنة، يعيش المغرب على إيقاع ما يمكن تسميته دون مبالغة بـ“الإفراغ السياسي”. أحزاب تفرغ مقاعدها قبل أن تفرغ برامجها، وبرلمانيون يتنقلون بخفة لاعب محترف يبحث عن عقد أفضل، وكأننا أمام بطولة وطنية لاختيار “أفضل موقع سياسي وليس أفضل فكرة سياسية”.

في هذا المشهد، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة قد دخل مرحلة “اللعب الكبير”، حيث لا يكتفي بجلب الأسماء، بل يحاول التعاقد مع نجوم السياسة كما لو كان يستعد لكأس العالم. الحديث في الكواليس لا يدور عن البرامج، بل عن “اللياقة الانتخابية” و”الجاهزية للربح”. حتى أن البعض صار يتخيل الفريق وهو يفاوض وجوها برلمانية كما تُفاوض الأندية الأوروبية لاعبي الصف الأول.

أما التجمع الوطني للأحرار، فيبدو وكأنه يعيش ارتدادات “انسحاب الممول الكبير” الذي ترك وراءه فراغًا يشبه ملعبا بلا مدرجات. الحزب الذي كان يركض بسرعة الضوء، أصبح فجأة يراجع خرائطه، بينما الشاب الشوكي… يحاول تثبيت التوازن في مركب يميل يمينا ويسارا حسب اتجاه الريح الانتخابية.

وفي ركن آخر، يواصل حزب الاستقلال لعبته التقليدية الحفاظ على التوازن بين التاريخ والثقل الانتخابي، لكن مع ضغط متزايد من “سوق الانتدابات السياسية”، حيث لا أحد مضمون، وكل منتخب قد يستيقظ غدا في حزب مختلف مع قناعة جديدة وشعار جديد.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيبدو كأنه يعيش حنينا دائما إلى زمن كانت فيه السياسة فكرة قبل أن تصبح حركة مرور. اليوم، يتحرك بين محاولات استعادة البريق، وبين واقع لا يعترف كثيرا بالذاكرة.

ولا ننسى الحركة الشعبية التي تجد نفسها وسط موجة انتقالات تجعل من الصعب معرفة من بقي ومن رحل، وكأن اللوائح الانتخابية تكتب بالقلم الرصاص كل صباح.

وفي ذروة هذا المشهد العبثي، يظهر اسم فوزي لقجع كـ”نجم كأس البرلمان”، حيث تتخيله بعض المخيلات السياسية لاعبا حاسمًا ينقذ المباراة في الدقيقة 90، بتمريرة حكومية ساحرة أو هدف تشريعي مباغت.

هكذا يبدو المغرب اليوم أحزاب تبحث عن الأوزان الثقيلة، وبرلمانيون يبحثون عن المقاعد المريحة، وناخبون يحاولون فهم لعبة تتغير قواعدها أسرع من نشرات الأخبار. أما “الإفراغ السياسي”، فهو ليس فراغا… بل ازدحام من نوع آخر، ازدحام في التنقلات أكثر من ازدحام في الأفكار…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى