
دخلت الساحة السياسية مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب موازين القوى، بعدما انتقل التنافس من مستوى البرامج والخطابات إلى معركة استقطاب الأسماء الوازنة وإعادة تشكيل القيادات الحزبية. ويبدو أن إعلان حزب الأصالة والمعاصرة انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، إلى مكتبه السياسي، لم يكن مجرد خطوة تنظيمية داخل الحزب، بل تحول إلى حدث سياسي أثار ردود فعل متباينة، وكشف عن حجم الرهانات التي ترافق الاستعدادات لاقتراع 23 شتنبر.
و أعاد هذا التطور النقاش حول طبيعة المنافسة الانتخابية وحدودها، خاصة أن لقجع يعد من أبرز الوجوه التي راكمت حضورا قويا داخل الإدارة العمومية والقطاع الرياضي، كما ارتبط اسمه بعدد من الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب، وفي مقدمتها التحضير لكأس العالم 2030. لذلك فإن دخوله الرسمي إلى العمل الحزبي يمنح الأصالة والمعاصرة قيمة مضافة من الناحية السياسية والرمزية، ويعزز صورة الحزب الساعي إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.
و سارع رئيس الحكومة والقيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، إلى توجيه رسائل سياسية واضحة، عندما اعتبر أن الانتخابات ليست “ميركاتو” لاستقطاب الأسماء في آخر لحظة، مؤكدا أن الأحزاب الحقيقية هي التي تبني قواعدها التنظيمية وتشتغل مع المواطنين بشكل يومي، وليس تلك التي تنتظر اقتراب موعد الاقتراع لاستقدام شخصيات وازنة إلى لوائحها.
ورغم أن أخنوش لم يسم حزب الأصالة والمعاصرة بشكل مباشر، فإن توقيت التصريح وسياقه جعلا المتابعين يعتبرونه ردا سياسيا مباشرا على التحاق لقجع، بما يعكس أن المنافسة داخل الأغلبية الحكومية نفسها أصبحت أكثر حدة مع اقتراب موعد الحسم الانتخابي. فكل حزب يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره القوة الأولى القادرة على قيادة الحكومة المقبلة، في وقت لا تزال فيه جميع السيناريوهات مفتوحة أمام نتائج صناديق الاقتراع.
ولعل ما يزيد من أهمية هذه المرحلة أن الصراع لم يعد مقتصرا على البرامج الانتخابية، بل أصبح يدور أيضا حول استقطاب الكفاءات والشخصيات ذات الحضور الإداري والاقتصادي والرياضي، وهو ما يعكس تحولا في أساليب المنافسة السياسية، حيث تراهن الأحزاب على قوة الأسماء بقدر رهانها على قوة الخطاب الانتخابي.
و يرى حزب الأصالة والمعاصرة أن انفتاحه على شخصيات جديدة يدخل في إطار تجديد النخب وتعزيز كفاءاته التنظيمية، مؤكدا أن اختيار مرشحيه تم وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، بعيدا عن منطق الزبونية أو الحسابات الضيقة. كما يراهن الحزب على توسيع حضوره الميداني وتقديم لوائح تضم كفاءات من مختلف المجالات، في محاولة لتعزيز موقعه في المنافسة على صدارة الانتخابات.
و اختارت المعارضة توجيه انتقادات قوية إلى المناخ الانتخابي برمته. فقد أكد حزب العدالة والتنمية أنه سيواجه كل محاولة للتحكم في العملية السياسية أو التأثير على نتائجها، داعيا إلى ضمان حياد الإدارة، ومحاربة استعمال المال في الانتخابات، والتصدي لما وصفه بالترويج لسيناريوهات انتخابية جاهزة سلفا. كما اعتبر أن التعيينات في المناصب العليا خلال الأسابيع الأخيرة من عمر الحكومة، إلى جانب بعض القرارات الحكومية، تثير تساؤلات سياسية تتطلب مزيدا من الشفافية.
و ذهبت فدرالية اليسار الديمقراطي أبعد من ذلك، معتبرة أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيفوز في الانتخابات، وإنما بأي نموذج سياسي واقتصادي سيقود المغرب خلال السنوات المقبلة. وانتقدت استمرار ما تصفه بتغول المال والنفوذ وتضارب المصالح، معتبرة أن الرهان الأساسي يتمثل في استعادة الثقة في العمل السياسي وتقديم بديل قادر على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وتكشف هذه المواقف أن الصراع الانتخابي بدأ يأخذ أبعادا متعددة، فهو صراع بين الأغلبية حول قيادة الحكومة المقبلة، وصراع بين الأغلبية والمعارضة حول شروط التنافس ونزاهة العملية الانتخابية، كما أنه صراع على استقطاب الرأي العام الذي أصبح أكثر انتقادا للأداء السياسي وأكثر مطالبة بنتائج ملموسة في مجالات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية.
وفي ظل هذه الأجواء، تبدو معركة اللوائح الانتخابية أكثر حساسية من أي وقت مضى، لأن اختيار المرشحين أصبح مؤشرا على التوجهات السياسية للأحزاب وعلى حجم رهاناتها المستقبلية. فكل اسم جديد يعلن عنه قد يعيد رسم خريطة المنافسة داخل دائرة انتخابية أو داخل الحزب نفسه، وهو ما يفسر حالة الترقب التي ترافق إعلان الترشيحات.
و يرتفع منسوب الخطاب السياسي وتتزايد حدة المواجهة بين القيادات الحزبية، في وقت ينتظر فيه المغاربة أن تنتقل المنافسة من تبادل الرسائل والانتقادات إلى تقديم برامج واقعية وحلول عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطن لم يعد يكتفي بالشعارات أو بالأسماء اللامعة، بل أصبح يقيس مصداقية الأحزاب بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتحقيق أثر ملموس في حياته اليومية.
وهكذا، فإن دخول فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة لم يكن مجرد خبر حزبي عابر، بل تحول إلى محطة سياسية كشفت حجم التنافس الذي يسبق انتخابات 2026، وأعادت إشعال النقاش حول مستقبل قيادة الحكومة، وحدود استقطاب الكفاءات، وطبيعة التوازنات التي ستفرزها صناديق الاقتراع. وبين حديث الأغلبية عن الكفاءة والتنظيم، وتحذيرات المعارضة من المال والنفوذ والتحكم، تبقى الكلمة الأخيرة للناخب المغربي، الذي سيحدد عبر صوته ملامح المرحلة السياسية المقبلة.



