
دخلت المنظومة الأمنية عهدا جديدا من التحديث، تقوم على توظيف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية لتعزيز الأمن الوقائي والرفع من سرعة التدخل الميداني، وذلك في إطار رؤية تروم جعل المدن الكبرى أكثر أمناً وقدرة على مواجهة مختلف التحديات الأمنية. وفي هذا السياق، بدأت ولايات أمن الدار البيضاء والرباط وطنجة العمل بالدوريات الذكية الجديدة، التي تم تطويرها بكفاءات مغربية، لتشكل نقلة نوعية في أساليب الرصد والمراقبة وحماية الفضاء العام.
ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه المدن الكبرى كثافة سكانية وحركية مرورية متزايدة، فضلاً عن احتضانها لمؤسسات اقتصادية وإدارية وسياحية كبرى، وهو ما يفرض اعتماد وسائل حديثة قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في أساليب الجريمة المنظمة والتهديدات الإرهابية، التي أصبحت تعتمد بدورها على وسائل تقنية متقدمة.
وتعتمد هذه الدوريات الذكية على منظومات متطورة تضم كاميرات عالية الدقة تغطي محيط المركبة بشكل كامل، وتقنيات للقراءة الآلية للوحات ترقيم السيارات، إلى جانب أنظمة للتعرف على الوجوه وتحليل الصور بشكل فوري بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مع ربط مباشر بقاعات القيادة والتنسيق وقواعد البيانات الأمنية، بما يسمح بتبادل المعلومات في الزمن الحقيقي واتخاذ القرار بسرعة ودقة.
ولا يقتصر دور هذه التكنولوجيا على تنظيم السير والجولان، بل تمتد وظيفتها إلى تعزيز المراقبة الاستباقية، من خلال رصد المركبات أو الأشخاص المبحوث عنهم بمجرد مرورهم في الشارع العام، وهو ما يساهم في تضييق الخناق على شبكات الإجرام والحد من تحركات المشتبه فيهم، مع تمكين الوحدات الأمنية من التدخل الفوري عند رصد أي معطيات تستدعي التحرك الميداني.
و أصبحت اليقظة الأمنية اليوم تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والرقمنة، حيث يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي تمكن الأجهزة الأمنية من تحليل آلاف المعطيات في وقت وجيز، واكتشاف الأنماط المشبوهة، وربط المعلومات الواردة من مختلف مصادر المراقبة، بما يرفع من فعالية الوقاية قبل وقوع الجرائم.
وتكتسي هذه المنظومة أهمية خاصة في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، التي تعرف حركة يومية مكثفة للمواطنين والزوار، فضلاً عن احتضانها لتظاهرات اقتصادية ورياضية وثقافية كبرى، الأمر الذي يجعل من تعزيز المراقبة الرقمية ضرورة لضمان أمن الأشخاص والممتلكات.
كما أن الدوريات الذكية الجديدة تمثل منصة متنقلة للرصد والتحليل، إذ تتيح مراقبة عدة مسارات مرورية في الوقت نفسه، وتوفر صوراً دقيقة يتم تحليلها بشكل آلي، مع إمكانية التعرف السريع على المركبات المشكوك فيها أو الأشخاص الصادرة في حقهم مذكرات بحث، مما يختصر زمن التدخل ويرفع من نجاعة العمل الأمني.
وتساهم هذه الوسائل كذلك في دعم جهود مكافحة الإرهاب، من خلال تمكين المصالح الأمنية من تعقب العناصر المبحوث عنها ورصد تحركاتها داخل الفضاءات العامة، وربط مختلف المعطيات المتوفرة بقواعد البيانات المركزية، بما يعزز العمل الاستخباراتي والوقائي، ويصعب على المطلوبين الإفلات من المراقبة.
ويؤكد هذا التوجه أن الأمن الرقمي أصبح مكوناً أساسياً في السياسة الأمنية الحديثة، خاصة مع تطور وسائل الإجرام واستغلال بعض الشبكات للتكنولوجيا في تنفيذ أنشطتها غير المشروعة. لذلك يراهن المغرب على إدماج الابتكار والذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي، بما يضمن الاستجابة السريعة والفعالة لمختلف التحديات الأمنية.
ويأتي تعميم هذه الدوريات الذكية على المدن الكبرى في إطار استراتيجية شاملة لتحديث الأسطول الأمني، وتطوير وسائل المراقبة والتدخل، استعداداً للاستحقاقات الدولية الكبرى التي ستحتضنها المملكة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، حيث يشكل الأمن الذكي أحد أهم مرتكزات تنظيم التظاهرات العالمية، من خلال الجمع بين الكفاءة البشرية والتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز ثقة المواطنين والزوار، ويكرس مكانة المغرب كنموذج إقليمي في توظيف الابتكار لخدمة الأمن والاستقرار.



