في ظل وضعية متوترة يعيشها قطاع الرخام بجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، خرج رشيد قصيصة، رئيس جمعية أسكال لمقاولي وحرفيي الرخام بجهة الرباط-سلا-القنيطرة والكاتب العام للجمعية نفسها بجهة الدار البيضاء-سطات، بتصريحات قوية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه مهنيي القطاع، وعلى رأسها عمليات سحب الرخص وهدم المحلات، التي باتت تهدد استمرارية مئات المقاولات.
وأوضح قصيصة، في لقاء تواصلي، أن هذا الإشكال تفاقم منذ أواخر سنة 2025، حيث تعيش شركات الرخام حالة من عدم الاستقرار بسبب الإجراءات الإدارية المرتبطة بسحب التراخيص والهدم، رغم الجهود المبذولة من طرف المهنيين لتقنين القطاع والانخراط في رؤية صناعية حديثة تروم تنظيم هذا المجال الحيوي.
وأشار المتحدث إلى أن المهنيين بادروا إلى فتح قنوات الحوار مع عدد من الجهات المعنية، من بينها وزارة الصناعة والتجارة، حيث تم التفاعل مع هذا الملف من طرف الوزير رياض مزور، الذي أطلق لجنة خاصة لمواكبة وضعية القطاع، إلى جانب الشروع في دراسة مشروع استراتيجي يهم إنشاء قطب صناعي متكامل للرخام بجهة الدار البيضاء، غير أن هذا المشروع لا يزال في مرحلة البحث عن وعاء عقاري مناسب لاحتضانه.
غير أن هذا المسار، حسب قصيصة، يصطدم بواقع ميداني معقد، حيث تتواصل عمليات سحب الرخص وهدم الوحدات الإنتاجية التي تنشط منذ سنوات، وهو ما يهدد بشكل مباشر النسيج الاقتصادي للقطاع. وأكد أن غياب بدائل جاهزة لاستقبال هذه المقاولات يجعل هذه الإجراءات ذات كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، في ظل توقف الأنشطة وتشريد اليد العاملة.
وكشف المتحدث أن عدد المقاولات التي أبدت اهتمامها بالانخراط في مشروع القطب الصناعي المرتقب يصل إلى حوالي 200 شركة، من بينها 120 شركة بجهة الدار البيضاء، مبرزًا أن كل وحدة إنتاجية تشغل ما بين 10 و20 عاملًا، وقد يصل العدد إلى 40 عاملًا في بعض الحالات، ما يعني أن القطاع يوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.
وأضاف أن الوضع الحالي، الذي يتسم بغياب الاستقرار القانوني، يحد من قدرة المستثمرين على تطوير مشاريعهم أو ضخ استثمارات جديدة، في ظل التهديد المستمر بالإغلاق أو الهدم، وهو ما يكرس حالة من الجمود داخل القطاع رغم الإمكانيات الكبيرة التي يتوفر عليها.
وفي المقابل، يراهن المهنيون على مشروع القطب الصناعي كحل استراتيجي لإعادة هيكلة القطاع، حيث يُرتقب أن يساهم في خلق أزيد من 5100 منصب شغل، وتحقيق قيمة مضافة سنوية تناهز 240 مليون درهم، إضافة إلى مداخيل ضريبية تقدر بحوالي 190 مليون درهم سنويًا، مع آفاق بلوغ 2.2 مليار درهم خلال عشر سنوات.
وأكد قصيصة أن هذا المشروع يستلهم تجارب دولية رائدة، بعد زيارات ميدانية قام بها مهنيون إلى عدد من الدول المتقدمة في هذا المجال، من بينها إيطاليا وإسبانيا وتركيا والصين، حيث تم الاطلاع على نماذج ناجحة للأقطاب الصناعية المتخصصة في الرخام، والتي ساهمت في تحويل هذا القطاع إلى رافعة اقتصادية قوية.
كما يتضمن المشروع إحداث أكاديمية متخصصة لتكوين الشباب في مختلف مراحل سلسلة إنتاج الرخام، من الاستكشاف والاستخراج، إلى التصنيع والتسويق والتركيب، بهدف تأهيل كفاءات وطنية قادرة على الرفع من جودة المنتوج المغربي وتعزيز تنافسيته في الأسواق الدولية.
ورغم هذا الطموح، شدد المتحدث على أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة مرنة من طرف السلطات، داعيًا إلى توقيف أو على الأقل تخفيف عمليات سحب الرخص والهدم، ومنح مهلة انتقالية للمقاولات إلى حين إخراج مشروع القطب الصناعي إلى حيز التنفيذ.
وأوضح في هذا السياق أن الاستمرار في الإجراءات الحالية من شأنه أن يفقد المستثمرين الثقة، وقد يؤدي إلى انسحاب عدد من الفاعلين من القطاع، مما سيؤثر سلبًا على فرص نجاح المشروع المستقبلي.
كما نبه إلى أن عدداً من المقاولات تعاني من إكراهات إضافية، من بينها قطع التيار الكهربائي والضغوط المرتبطة بتغيير مواقع النشاط، في ظل غياب مناطق بديلة مجهزة تستجيب لمتطلبات هذا النوع من الصناعات.
وختم قصيصة بالتأكيد على أن المهنيين لا يعارضون تقنين القطاع أو محاربة العشوائية، بل يدعمون هذا التوجه بشكل كامل، غير أنهم يرفضون أن يتم ذلك بطريقة مفاجئة ودون توفير شروط الانتقال السلس، مشددًا على ضرورة الحفاظ على المقاولات القائمة والاستفادة من خبرتها باعتبارها نواة أساسية لإنجاح مشروع القطب الصناعي المرتقب.
وبين مطلب فرض القانون وضرورة حماية النسيج الاقتصادي، يقف قطاع الرخام اليوم عند مفترق طرق حاسم، في انتظار قرارات متوازنة تضمن استمرارية المقاولات، وتحفز الاستثمار، وتؤسس لمرحلة جديدة من التنظيم والهيكلة، قادرة على تحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والتشغيل بالمغرب.







