
في بداية الولاية الحكومية، كان المشهد أشبه بحفل زفاف سياسي فاخر. ابتسامات عريضة، مصافحات حارة، وصور جماعية تفيض بالانسجام. كانت الأغلبية الحكومية تتحدث عن “روح الفريق”، وعن “العمل المشترك”، وعن “الانسجام غير المسبوق” الذي سيقود المغرب إلى آفاق جديدة. حتى إن المواطن البسيط كاد يصدق أن الأحزاب اكتشفت أخيرا وصفة سحرية للتعايش السياسي.
مرت السنوات، وبدأت الحقيقة تتسلل من بين الشقوق. فجأة تحول رفاق الأمس إلى خصوم اليوم، وبدأ تبادل الاتهامات يطغى على الخطاب السياسي. هذا يتهم ذاك بعرقلة الإصلاح، وذاك يرد بأن شريكه لا يفهم أولويات المرحلة، وثالث يشتكي من الإقصاء، ورابع يتحدث عن الانفراد بالقرار. وكأننا أمام فرق موسيقية مختلفة وضعت في منصة واحدة ثم اكتشفت متأخرة أنها لا تعزف النغمة نفسها.
الغريب أن الأحزاب نفسها التي كانت تتغنى بالوحدة والتضامن الحكومي، أصبحت تتحدث اليوم وكأنها كانت في المعارضة طوال الوقت. كل طرف يحاول غسل يديه من الحصيلة، والبحث عن موقع مريح استعدادا للانتخابات المقبلة. فمع اقتراب موسم الاقتراع، تتبخر فجأة شعارات التضامن الحكومي، ويبدأ سباق النجاة الفردية.
المواطن، كالعادة، يتابع المشهد بقدر كبير من الدهشة وقليل من المفاجأة. فهو اعتاد أن يرى التحالفات السياسية تولد على وقع الحسابات الانتخابية، ثم تموت عندما تقترب محطة انتخابية جديدة. وكأن البرامج والمبادئ والقيم مجرد ديكور يوضع في الواجهة إلى حين انتهاء فترة التخفيضات السياسية.
المشكلة ليست في اختلاف الرؤى، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي. المشكلة أن الأحزاب تقدم نفسها للمغاربة باعتبارها حاملة لمشاريع ومبادئ، ثم تتحول عند أول منعطف إلى تجمعات انتخابية تبحث عن المقاعد أكثر مما تبحث عن الأفكار. وعندما تتقدم المصالح على الالتزامات، تصبح الثقة أول ضحايا اللعبة السياسية.
هكذا تنتهي أغلبية بدأت برفع الأيادي في مشهد احتفالي صاخب، وتنتهي برفع أصابع الاتهام بين مكوناتها. وبين البداية والنهاية، يزداد رصيد الشك لدى المغاربة، وتتعمق أزمة الثقة في العمل الحزبي. أما المبادئ والقيم التي رفعت كشعارات في أول الطريق، فتغادر المشهد بهدوء، تاركة الكراسي تتحدث باسم الجميع.



