
تحولت لوائح التزكيات داخل الأحزاب السياسية الكبرى إلى ساحة مواجهة حقيقية، لا تقل شراسة عن المعركة التي ستدور يوم الاقتراع. فخلف الأبواب المغلقة، تدور مفاوضات وضغوط وتحالفات، بينما يسابق الطامحون الزمن للحصول على “ورقة العبور” التي تمنحهم حق تمثيل الحزب في دوائر أصبحت توصف بالقوية أو المضمونة، في مقابل دوائر أخرى تحولت إلى حقول ألغام انتخابية.
وتعيش أحزاب الاستقلال، والأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سباقا داخليا معقدا، بعدما أصبحت التزكية في بعض الأحيان أهم من نتائج الاقتراع نفسها، لأنها تحدد مسبقا من سيخوض المنافسة ومن سيظل خارج اللعبة.
وتكشف المؤشرات الأولية أن عددا من الوزراء وقيادات الصف الأول اختاروا النزول إلى دوائر انتخابية ذات وزن سياسي ورمزية خاصة، في رسالة واضحة مفادها أن الأحزاب تراهن على الأسماء الثقيلة لضمان أكبر عدد من المقاعد، خصوصا في ظل المنافسة الحادة التي تطبع انتخابات 2026.
ويبرز داخل حزب الاستقلال حضور أسماء وازنة، من بينها نزار بركة، وعبد الصمد قيوح، وعمر حجيرة، وهي شخصيات تمتلك امتدادا تنظيميا وانتخابيا داخل مناطق نفوذها، لكنها ستكون مطالبة هذه المرة بإثبات أن الحضور الحكومي يمكن أن يتحول إلى رصيد انتخابي، وليس عبئا أمام الناخبين الذين سيربطون التصويت بحصيلة الأداء الحكومي.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيدخل الاستحقاقات الجديدة بأسماء من الصف الأول، أبرزها فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، في محاولة للحفاظ على موقع الحزب داخل المشهد السياسي، خاصة أن “البام” يعرف بدوره تنافسا داخليا حول التزكيات، وصراعا بين القيادات التقليدية والوجوه الجديدة الطامحة إلى فرض نفسها.
ولا يختلف الوضع داخل التجمع الوطني للأحرار، الذي يسعى إلى الحفاظ على موقعه الانتخابي، رغم أن عددا من وزرائه سيخوضون الاختبار المباشر مع الناخبين، في ظل تقييم شعبي للحصيلة الحكومية، وهو ما يجعل كل دائرة انتخابية بمثابة استفتاء سياسي على أداء الحكومة أكثر من كونها مجرد منافسة حزبية.
في المقابل، يحاول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية استعادة جزء من حضورهما الانتخابي عبر الدفع بمرشحين قادرين على المنافسة في دوائر تقليدية، مع السعي إلى استقطاب كفاءات جديدة تمنح الحزبين نفسا سياسيا مختلفا.
غير أن الظاهرة الأكثر إثارة للنقاش خلال مرحلة التزكيات تبقى استمرار ما يسمى بالانتهازية الانتخابية، حيث تتكرر مشاهد انتقال منتخبين وأعيان ورجال أعمال بين الأحزاب بحثا عن تزكية مضمونة أو دائرة أكثر حظا للفوز، دون أن يكون الانتماء الإيديولوجي أو البرنامج السياسي عاملا حاسما في هذه التنقلات.
لقد أصبحت بعض الأحزاب تستقطب مرشحين بناء على قدرتهم على الفوز أكثر من انسجامهم مع مشروعها السياسي، وهو ما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، ويحول الانتخابات في نظر جزء من الرأي العام إلى منافسة بين الأشخاص وشبكات النفوذ بدل التنافس بين البرامج والأفكار.
وتشكل الدوائر الانتخابية الكبرى بدورها مركز الثقل في هذه المعركة، إذ تسعى الأحزاب إلى تعبئة أقوى مرشحيها داخل المدن الكبرى والأقاليم ذات الكثافة السكانية العالية، لأنها قادرة على التأثير في التوازنات الوطنية ورسم صورة الحزب إعلاميا وسياسيا.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات المقبلة مختلفة عن سابقاتها، لأن الرهان لم يعد يقتصر على الحصول على المقاعد، بل يمتد إلى قيادة المشهد السياسي لما بعد 2026، خاصة إذا أفرزت النتائج تحالفات جديدة أو أعادت ترتيب موازين القوى بين الأحزاب الكبرى.
كما أن دخول الوزراء إلى غمار المنافسة يمنح الانتخابات بعدا إضافيا، إذ سيجد هؤلاء أنفسهم أمام امتحان مزدوج؛ الدفاع عن حصيلتهم الحكومية من جهة، وإقناع الناخبين بأحقيتهم في تمثيلهم داخل البرلمان أو المجالس المنتخبة من جهة أخرى. وسيكون الناخب المغربي أمام فرصة لتقييم الأداء بالأرقام والإنجازات، بعيدا عن الخطابات التقليدية التي رافقت مواسم انتخابية سابقة.
وفي النهاية، تبدو معركة التزكيات أكثر من مجرد ترتيبات تنظيمية داخل الأحزاب، فهي تكشف حجم الصراع على النفوذ، وطبيعة التحالفات الداخلية، ومستقبل القيادات السياسية، كما تعكس استمرار إشكالية الترحال والانتهازية الانتخابية التي ما زالت تؤثر في صورة العمل الحزبي. وبين منطق الكفاءة ومنطق القدرة على الفوز، ستظل لوائح التزكيات العنوان الأول لمعركة انتخابية ينتظر أن تكون من أكثر الاستحقاقات السياسية تنافسا وإثارة في السنوات الأخيرة.



